المستقبل العراقي/ حليم الاعرجي
ماذا حصدت تركيا اردوغان منذ ان ركبت موجة التضليل ووضعت على وجهها قناعا اشد خبثا وأكثر لؤما وأسوء قبحا..؟ وماذا ستحصد بعد عثار ونثار زمن البحث عن دور الخادم لأجندات إسرائيل وأميركا بعد ان ضاع منها دور بوابة الشر على الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي بانتهاء الحرب الباردة ..؟!
أسئلة كثيرة تطرح هنا وهناك الآن وقبل الآن حول العلاقات التركية الاسرائيلية وعما اذا كانت تركيا تحت حكم اردوغان جادة فيما تبديه من آراء وتصريحات ومواقف يشوبها الكثير من الغموض وتنطوي على القليل مما يشفي الصدور ويريح الباحثين عن الحقيقة في مجال ما تدعيه من تفسير في الموقف التركي لصالح الحق والعدل ضد الظلم والباطل والجور المتمثل في السلوك الإسرائيلي المشبع بكل أنواع الكراهية للإسلام والمسلمين وللعرب والعروبة.
المؤكد أن تركيا لم تمر طوال الستين سنة الماضية أي منذ قيام إسرائيل في عام 1948 بوضع غامض في إطار علاقاتها بإسرائيل كما هي الآن، وخصوصا بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في ان تكون تركيا كما يتمنون وكما يرحبون لها أن تكون على صعيد الصراع الإسرائيلي العربي الإسلامي لاعتبارات مذهبية او دينية بحتة او مبدئية أخلاقية، لقد اقامت تركيا علاقاتها بإسرائيل في عام 1949 لتنزل ضربة موجعة بكفاح العرب والمسلمين ضد الجبروت الاستعماري الذي تمخض عن وعد بلفور لإقامة كيان لليهود في فلسطين مشردا ملايين الفلسطينيين في مخيمات بائسة والى كل أصقاع العالم ومنذ ذلك الوقت أصبحت اسرائيل ، المورد الرئيس للسلاح لتركيا، وحققت حكومتا البلدين تعاونا ثنائيا مهما في المجالات العسكرية والدبلوماسية والإستراتيجية كما اتفق البلدان حول الكثير من الاهتمامات المشتركة والقضايا التي تخص شؤون المنطقة ولم تتعرض هذه العلاقات لأي اهتزاز او تدهور طوال تلك الفترة، بل على العكس كانت هذه العلاقات تنتقل من جيد إلى الأجود ومن حسن الى الأحسن غير ان الأمر طرأ عليه شيء ما ، جعل العلاقة بينهما تدخل مرحلة جديدة تتسم في الظاهر بعدم استقرار وتوتر وتشنج مدفوع بتصريحات ملتهبة فبعد الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2009 ، ادلى رئيس الوزراء التركي اردوغان بتصريحات هاجم فيها إسرائيل منددا بالعدوان الإسرائيلي ووسط الإعجاب العربي الإسلامي بالموقف التركي المفاجئ خرج السفير الإسرائيلي “كابي ليقي” مؤكدا بان العلاقات بين البلدين سوف تعود الى مسارها الطبيعي في اقصر وقت .
وبالفعل فطبول الدعاية الاردوغانية لم تغير من طبيعة هذه العلاقات وثوابتها المستجدة بالانجازات التي حققتها على مدى أكثر من ستة عقود وهي :
1 ـ اتفاقية التعاون العسكري الموقع عليها عام 1991
2 ـ مجموعة الأبحاث الستراتيجية المشتركة 1991
3 ـ مناورات سنوية مشتركة في البر والبحر 1998
4 ـ وجود عدد من المستشارين الإسرائيليين في القوات المسلحة التركية 1998
5 ـ تزويد تركيا بالسلاح الإسرائيلي
6 ـ تحديث الأسلحة التركية في إسرائيل
7 ـ اتفاقية التجارة الحرة الإسرائيلية التركية 2000
8 ـ تبادل المعلومات المخابراتية والاستخبارات 2000
من هنا وبرغم كل المحاولات التي بذلت في اخراج مسلسل التدهور في العلاقات التركية الإسرائيلية، فإن المتابعين والعارفين لما يجري خلف الكواليس لم تنطل عليهم هذه الاحابيل بل زاد إيمانهم بان وراء الأكمة ما وراؤها وان هذا التدهور في العلاقة الذي جاء على خلفية الهجوم الإسرائيلي على غزة في عام 2009 .
وبالفعل فقد تحقق ذلك ، حيث بدأت تتبوء مراكز النهي والأمر بعد ان فتح العرب كل الأبواب امامها وسط إعجاب منقطع النظير بشخص اردوغان الذي بات يدخل غرف الأميرات في دول الاستبداد النفطي بلا استئذان بعد أن حصل على عضوية جامعة ” التائهين ” العرب .
لقد باع اردوغان الشعارات والأقوال المعسولة والكلام المنتج في مصانع الكلام في تل أبيب.. ليقبض الركوع المذل أمامه من قبل أمراء الغاز والنفط والتسبيح بحمده من قبل دعاة الطائفية من التكفيريين.. وبين البيع والشراء تحقق ما كلف به اردوغان :
1 ـ الضغط على التجربة العراقية الحديثة في مجال البناء الديمقراطي والتحريض عليها بالعصيان والتمرد والثرثرة .
2 ـ استغلال القضية الكردية على نحو أدى ويؤدي إلى خداع البعض من الأكراد بأوهام مشاريع مستقبلية يجري البحث فيها بعيدا عن الوجود الرسمي للحكومة الاتحادية في بغداد نكاية لبغداد التي أصرت على المضي بتجربة الفيدرالية .
3 ـ تبني ” الربيع العربي” وكأنه وهو على موعد .
4 ـ تشكيل محور ” تركي – قطري- سعودي ” يتواصل مع إسرائيل من خلال حلقة الوصل ” قطر ” في كل حالة علاقة بالأوضاع العربية.
5 ـ الدخول كجهة فارضة وفائدة ومقررة على مستوى جامعة الدول العربية وعلى مستوى السياسات العربية لدول عربية عديدة .
6 ـ ممارسة دور الملاذ الآمن للعصاة والمتمردين والشقاة وأدعياء الاسلمة التكفيرية واحتضان حركات العنف والإرهاب والتحريض عليها .
إن الدماء الغزيرة المستباحة في سوريا واليمن وما سيأتي عاجلا أم آجلا في مصر والبحرين والكويت وتونس وما يعمل اردوغان بكل ما تحت يديه من قوة وإمكانيات على تحقيقه في العراق من حمامات دم كلها في الواقع ليست سوى ثمن “سرقة” الوطن العربي بعمامة عثمانية تحمل نجمة داود، أن مشهد اردوغان وهو ينسحب من جلسة منتدى دافوس الاقتصادي في سويسرا احتجاجا على عدم السماح بإكمال رده على مداخلة الرئيس الإسرائيلي “شيمون بيريز” بشان مبررات العدوان على غزة لم يعد لها وجود وهو يفتح خط التواصل مع إسرائيل في عدوانها الجديد حيث لم يستطع وزير خارجيته إخفاء حقيقة الوضع عندما سأل عن معنى الاتصالات التي جرت مع إسرائيل عشية عدوانها الجديد على غزة .
تقول جريدة “الكرستيان ساينس مونتير” في عددها الصادر في 30 أيار 2003 ،أن مواقف تركيا غير الودية جبال الناتو والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ليست بلا ثمن، وتضيف الثمن هو أن تركيا أصبحت وستصبح اكثر من أي وقت مضى الوسيط المؤتمن بين العرب وإسرائيل وكذلك بين الغرب والعرب وتستطرد قائلة: من أخطائنا اننا لم نضع بيننا وبين العرب وسيطا يعتمد عليه في الأزمات كما كان يحصل بيننا وبين الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة عن طريق الهند ويوغسلافيا وغيرهما .
هكذا إذن .. ولكن ما هو الثمن الذي يتحتم على اردوغان تقديمه مقابل عمليات “الغسيل” الماضية وماضي تركيا بظهوره بمظهر “نصير” العرب.. وحامي حماهم والمدافع بعناد وإصرار عن قضاياهم العادلة.
لا اعتقد أن هناك ما يعادل قبول العرب بشكل خاص لتركيا ذات الماضي الثقيل بالآثام والمساوئ والتطهير العرقي وسياسات التتريك على أنها تركيا الاردوغانية الجديدة المحبة والودودة المصطفة مع قضايا العرب المصيرية الرافضة لطلب نشر قوات أميركية لفتح جبهة بشمال العراق قبل بدء غزو العراق مع سيل من الانتقادات التي وجهها اردوغان للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل حين اتهمهما بالفشل في إقناع البشرية بصواب تهجمها الداعي إلى ضرب العراق وتدميره وكذلك ضرب العرب وغمط حقوقهم في الحرية وتقرير المصير والديمقراطية .
لقد كانت سعادة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل باردوغان كبيرة وهما يتابعان فصول السيناريو الموضوع من قبلهما رغم أن تحويل رجب طيب اردوغان إلى رجل “طيب” يتقمص شخصية “المضاد” لأميركا وإسرائيل كان سيكلف الولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص تكاليف باهظة على المستويين العربي والإسلامي بيد أن حسابات أميركا وإسرائيل لا تعول كثيرا على ما يظهر على السطح بل على ما يستقر في القصر ليشكل بالتراكم نقاط الارتكاز الحقيقية التي ستؤدي الى تحقيق أجندتهما الخاصة أو المشتركة، ان القاعدة السياسية الحاكمة في تركيا تقول: ان موالاة أميركا تحقق لك السلطنة بينما عداؤك لها سيكون بمثابة مقبرة للسياسيين بيد أن هذه الحقيقة استعيض عنها بالولاء لأوربا على أمل ان تكون هي العون لها في البحث على مكان يؤويها في عالم اليوم كما عبر عن ذلك رئيس الوزراء التركي الأسبق “عصمت انونو” في عام 1964 عندما قال: هناك نظام جديد سيتأسس في العالم وتركيا سوف تجد مكانها فيه “ولكن هذه الأمنية أيضا وجدت الطريق أمامها مسدودا فقد تبخرت آمال وأحلام المساعدة الأوربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة حيث فقدت تركيا أهميتها الإستراتيجية ولم تعد أوربا تتحمل وجود دولة مستقلة بالمشاكل الاقتصادية والمشاكل الديمغرافية ولا أمل لها في المستقبل القريب أو البعيد، وفي ضوء أصبحت تركيا خالية الوفاض من أي دور محوري وزاد الأمر مأساوية تصاعد حدة المشاكل الداخلية حيث يحتدم الصراع من اجل حق تقرير المصير لعدد كبير من الشعوب المضطهدة تحت السيطرة التركية العنصرية والطائفية حيث بدأ أكراد تركيا البالغ عددهم أكثر من 20 مليون نسمة بثورة حقيقية بقيادة عبد الله اوجلان القابع في سجنه منذ أكثر من عشر سنوات وكذلك اخذ العلويون يبدون المزيد من التذمر المتصاعد يتزامن بين تحركات علنية وسرية للأرض الذين يطالبون بحقوقهم الثقافية والإنسانية كمواطنين تصر الحكومة التركية على تغييبهم وتهميشهم وممارسة شتى أنواع الاضطهاد بحقهم إلى جانب العرب في الاسكندرونه والسولاف وقوميات أخرى كثيرة، وكل ذلك يحصل في أجواء سياسية تتسم بالقلق وعدم الاستقرار والتناحر حيث تتجسد القوى المناهضة لحزب اردوغان بثلاثة تيارات مهمة وهي :
1 ـ تيار الحزب الجمهوري المعارض الذي يحظى بتأييد غالبية الشارع التركي
2 ـ تيار الجنرالات الاتاتوركيين الذين يعتقدون أنهم الأحق في حماية الإرث الاتاتوركي والدفاع عن تركيا العلمانية الديمقراطية.
3 ـ تيار الإعلام والصحافة التركية حيث تقف الآن شبكة الإعلام الضخمة التابعة ” لأيدن دوغان ” وهي تضم في بنيتها العلمانية ثلث عدد الصحف التي تصدر في تركيا والأوسع انتشارا مثل “حرييت” و “مللييت” و ترجمان” وغيرها كثير حيث تتسم كتابات وتعليقات هذه المؤسسات الإعلامية بطروحات مثيرة للتذمر والقلق من سياسة اردوغان التي توصف عادة بأنها ” سياسة عمياء لا ترى الحقائق على الأرض ” .
لقد شعرت القيادة التركية بعد تخلي الولايات المتحدة الأميركية وأوربا عنها وانحدارها إلى ادنى درجات سلم اهتمام الآخرين بها .. أن عليها أن تبحث عن دور يعيد لها مكانتها المفقودة أو أي شيء منها ولم تجد أفضل من مكانين مهمين ولها فيهما وجود وصلات وقواسم مشتركة :
الأولى : المنطقة العربية
الثانية : آسيا الوسطى
وكلتا المنطقتين يشتركان في قاسم مشترك واحد هو “الإسلام” وهكذا ظن البعض في مستوى المسؤولية التركية أن مشكلة تركيا ستحل بالتوجه نحو هذين المكانين عبر الظهور بالمظهر الغيرة على الإسلام .
وكما يفعل دعاة الوطنية والقومية من المرتبطين بأجندات الغرب وإسرائيل عندما يقومون بالانقلاب العسكري على من سبقهم ، أو كما يحصل الآن فيما يسمى بـ ” الربيع العربي” عندما ملأوا الدنيا ضجيجا بشعارات وتصرفات وتصريحات حول فلسطين، فقد خرج اردوغان عن المألوف بسيناريوهات جديدة للضحك على الذقون من خلال الدخول في سوق المزايدات والشعارات الكاذبة إلى درجة دفعت مدير عام صحيفة “ملليت” محمد يلماز للهجوم على اردوغان متهما إياه بأنه عربي أكثر من العرب أنفسهم، وكان هذا الاتهام هو ما ينشده اردوغان فقد صدق البعض فيما كان آخرون قد رحبوا بالأمر لاعتبارات تتعلق بالدور الذي ينتظر القيام به عن طريق قوة مضافة تخلق توازنا في الميزان الاستراتيجي عندما “يحتدم” الصراع المفترض على المستويين المذهبي والقومي داخل الوطن العربي والإسلامي .
هكذا جرى دفع تركيا باتجاه لعب الدور المرسوم لها إسرائيليا وفق سيناريو حماية ” السنة” من الشيعة المدعومين من قبل إيران وتدريجيا تحول الموقف بفعل هذا التبدل في الدور التركي من دور دولي لصالح الغرب والولايات المتحدة الأمريكية إلى دور شرق أوسطي لحساب إسرائيل، وبدأت في ضوء ذلك تبرز ملامح مرحلة جديدة سماتها يقتل العربي شقيقه العربي لأسباب طائفية أو دينية ويقتل المسلم أخاه المسلم لأسباب عرقية أو طائفية وأضحى العربي يمر إلى وطنه عبر تركيا وكذلك يفعل البعض في المرور إلى وطنه عبر إيران ولكن هل هذا الذي يفعله اردوغان في الوطن العربي والإسلامي يرضي الشعب التركي ؟.
إن من ابسط تعريفات علم العلاقات الدولية هو أن “العلاقات” الدولية تساعدنا كثيرا في الكشف عن السبل التي تسهم في معرفة ماذا تريد الشعوب من حكوماتها لتعدد طرق العلاقات والاتصال والتواصل بكافة أنواعه مع الشعوب الأخرى والمجاورة لها خارج حدودها الإقليمية .
من هنا يمكن القول في ضوء العلاقة التاريخية القائمة بين البلدان العربية والإسلامية مع تركيا أن هناك هوة تتسع يوما بعد يوم بين الشعب والحكومة في تركيا، فالشعب التركي لا يريد أكثر من أن تحصل الشعوب العربية والإسلامية على حقها في الحياة الحرة الكريمة وخصوصا الشعب الفلسطيني، وهي لا ترغب ولا تريد أن تضيف إلى تاريخ اسود أوجدته السياسات الغاشمة للمماليك والانكشاريين وذوي العاهات والمتخلفين من الحكام العثمانيين مساوئ جديدة لا تجني منها تركيا غير العزلة وضياع فرص الاستفادة الحقيقية من انفتاح تركي صادق على إخوانهم في الدين والجيرة والمصير الواحد في العراق وفي سوريا وفي غيرهما.
إن أولئك الذين يصورون اردوغان على انه نصير العرب ونصير الثورات العربية التي أودت بالزعماء الدكتاتوريين إلى سلة مهملات التاريخ، يتناسون عن قصد ان اردوغان وليس أي شخص غيره من يضع يده الآن بأيدي أسوء الاستبداديين في العالم العربي ليجعل منهم محورا يبدأ من أنقرة ويمر عبر الدوحة والرياض وينتهي في تل أبيب ليستمد من هناك التعاليم التلمودية في كيفية إخراج المشروع الإسرائيلي بقيام دولة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل ويعود إليه الفضل في “انتفاضة” الرئيس المصري على الدستور بعد رشا المليار دولار التي قدمها اردوغان لمرسي خلال المؤتمر الذي عقد مؤخرا في تركيا حول سوريا في تخلي واضح عن نهج الديمقراطية الذي احتضنه دستور الثورة المصرية في محاولة للعودة إلى دكتاتورية واستبداد ما قبل ثورة 23 يوليو 1952 .
إن أغطية الكاذبين اقصر وأضيق من أن تعطي مفاسدهم، واخف من أن تمنع نفاذ الروائح الكريهة لهذه المفاسد.. وعلى ذلك فليس هناك شيء قابل للإخفاء أو الضم ، وكل أساليب ووسائل التضليل والخداع لا تنطلي على احد أبدا، ومهما حاول اردوغان أو غيره أن يلحق الضرر العيني أو المادي بالعراق فلن تستطيع بأي حال من الأحوال أن يعثر على ما يساوي العراق ثقلا وريعا وقدرة، وليس هناك من يستطيع أن يلحق الضرر بالعراق نيابة عن اردوغان، فإذا الأصل عاجز فكيف بالصنيعة أن يفعل ذلك !! انه مجرد سؤال سنحاول الإجابة عليه في موضوع آخر .