عورات فضائية

محرج للمرء ان يطلع على عيب او فضيحة وفعل يأتيه غيره على انه غير مرئي ولا محسوس …ومنها ان يختفي المرء وراء جدران على انها من حجر، ويتصرف على نحو فاضح ، ولا يدري انه وراء زجاج بالغ الشفافية …والسياسي الجديد يظن انه ببدلة أنيقة وبهيئة وقورة، بينما هو مجرد حتى من ورقة التوت ..وقد جاء التعليق بان العراقي غير موهوب بالتمثيل ..ويبدو السياسي مثيرا للحرج وللامتعاض أيضاً وهو يشتم ويلعن الطائفية ويتظاهر بالمدنية والحضارة وتمجيده للإنسان كانسان ولمعنى المواطنة، في حين كل وجوده وكيانه ومكنونات قلبه تصرخ بالنقيض.. وبما يرغم البسطاء لمخاطبة السياسي على الفضائية ويطلبون إليه أن يلعن الطائفية وعبادة الكرسي بقلبه أولا لكي يكون صوته وتعابير وجهه منسجمة ومتطابقة ولا تعريه ولا تفضحه قبل ان تفضحه أفعاله.

لقد جاء التشخيص بان العرب (امة صوتية) هو الأكثر ورودا للذاكرة في الحقب السوداء الأخيرة… فمن العرب من ينجز ما يريد بالكلمات والخطابات والشعارات حتى قيل ان المعطوبين نفسيا في هذه الأمة، ولاسيما بين السياسيين بأعداد مخيفة، فهم وطنيون ومضحون ومتحضرون وكرماء، وشهمون وغيرون.. بالكلمات.. وينجزون كل مشاريعهم وبرامجهم وأهدافهم بالكلمات.. وقد يعاني المختص النفسي حيرة وارتباكا في فهم هذا النموذج الذي قد تكون اصابته بالازدواجية والانفصام بين اقواله وبين افعاله ليست بتلك الحدة، بل قد يغبط السياسي نفسه على براعته في ترويج كلماته وادعاءاته واستطاع بها ان يخدع الآخرين ويضللهم في حين ينفذ في الواقع ما يريده.. فيسجل هذا النموذج ريادته وسبقه لكل اغبياء السياسة وليفسر، في الوقت ذاته سبب تخلف العراق والعرب عن ركب البشرية، رغم انه الأقدم في الوجود والحضارة، كما يسجل التناقض الاكبر بين شاعريته وثراء لغته (والإنسان يفكر باللغة) وبين ممارسات بليدة ولا تنم عن اي شعور وإحساس، وبلغنا في العراق ان ضج الفضاء بصفقة كشف المتفجرات المغشوشة وادانت بريطانيا تاجرها الغشاش بينما لم يفعل العراق، الضحية مثلها ويقاضي الفاسدين… وصدأت مولدات الكهرباء بأربعة مليارات دولار في محيط مدقع الجوع ويغرق في الظلام.. وتتوالى اساطير الفساد ولكنها تستمر بوتيرة متصاعدة وكأن الكلمات والاقوال والادانات والاصوات في طرف اخر من الارض.. وان هذا التناقض بين القول والفعل قد انسجم مع الإساءة للإسلام بإظهاره عاجزا عن توحيد أتباعه في حين يتوجه لتوحيد البشرية.. فهل نحن فعلا امة صوتية بامتياز فسجلنا بهذه الميزة هزليتنا بين الأمم؟

الدعوة الى تصديق القلب بلا سامع.. فاللسان يتسلم القياد.. ولا جدوى من التنبيه والتذكير بضرورة لعن وشتم الطائفية والامتعاض منها في القلب لكي يتطابق معها اللسان وتعابير الوجه وإشعاعات الروح ومعاني الفعل… وإلا فالكلمات خائنة وأدوات بقبضة الغرائز والنزوات.. وقد تفضي بالعراق الى مصير يثور فيه الناس ويعترفون معه بأننا ضحايا الكلمات والأصوات.