شهر رمضان والتأهيل الروحي

“يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ”

– 183- البقرة –

” أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم أن كنتم تعلمون ”

– 184- البقرة-

” شهر رمضان الذي أنزل فيه القرأن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون”

– 185- البقرة-

ثلاث أيات قرأنية كريمة تتحدث عن الصيام في شهر رمضان , كما تتحدث عن القرآن ونزوله في شهر رمضان , وقد رسمت خريطة الطريق للمؤمنين عبر مفهوم كل من :-

1- التقوى ” تتقون ”

2- العلم ” تعلمون ”

3- الشكر ” تشكرون ”

وربط تلك المفاهيم بالعمل حيث قال تعالى في حديثه عن الصيام بفعل ” تتقون ” أي أن المؤمنين يراد لهم أن لا يأخذوا من الايمان سطحه فقط المتضمن بشهادة الشهادتين , وهو ماعبر عنه رسول الله ” بما ترضون به الله سبحانه وتعالى أي بالشهادتين , حيث قال رسول الله ” لا غنى لكم به ” أي شهر رمضان ” عن أربع خصال : خصلتين ترضون الله بهما , وخصلتين لاغنى بكم عنهما , فأما اللتان ترضون الله بهما , فشهادة أن لا أله ألا الله وأني رسول الله , وأما اللتان لا غنى لكم عنهما فتسألون الله فيه حوائجكم والجنة , وتسألون الله فيه العافية , وتتعوذون به من النار – مجمع البيان في تفسير القرأن – ص276- الشيخ أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي – المجلد ألاول –

فالله سبحانه وتعالى يريد التقوى للمؤمنين , ولذلك كانت ألاية الثانية من سورة البقرة المباركة تقول : ” ذلك الكتاب لاريب فيه هدى للمتقين ” – 2- البقرة – وقد روي عن رسول الله ” ص” أنه قال : جماع التقوى في قوله تعالى ” أن الله يأمر بالعدل وألاحسان …” ولذلك قيل في المتقي أقوال منها :-

1- المتقي هو من أتقى ماحرم عليه , وفعل ما أوجب عليه .

2- المتقي هو الذي يتقي بصالح أعماله عذاب الله , وسأل عمر بن الخطاب كعب ألاحبار عن

التقوى ,فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ فقال : نعم , قال فماذا عملت فيه ؟ قال : حذرت

وتشمرت , فقال كعب : ذلك التقوى , ولذلك قال الشاعر :- خل الذنوب صغيرها وكبيرها فهو التقى وأصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر مايرى لا تحقرن صغيرة أن الجبال من الحصى

وروي عن النبي “ص” أنه قال : أنما سمي المتقون لتركهم ما لا بأس به حذر الوقوع فيما به بأس , وقال عمر بن عبد العزيز :التقي ملجم كالمحرم في الحرم , وقال بعضهم : التقوى أن لايراك الله حيث نهاك ,ولايفقدك حيث أمرك – مجمع البيان – ص37- واليوم عندما وصلت بعض الاحزاب والحركات ألاسلامية للحكم في بعض الدول ألاسلامية , صدم الناس , وهالهم مارأوا من مفارقات

وسلوك يخالف الدين وشرع الله , لذلك راح الناس يتسائلون : كيف يحدث هذا من المتدين.

وهؤلاء جميعا نسوا الفرق بين ألايمان والتقوى , ولذلك وأنا في صدد الحديث عن التأهيل الروحي في شهر رمضان , أنتهز هذه الفرصة لآبين لم ألتبس عليهم ألامر , ولا أقول أن هذا ألالتباس يشمل التكفيريين الوهابيين, فهؤلاء قد مرقوا من الدين يوم قاموا بتكفير الناس, ثم قاموا بذبح ألاطفال والرجال كما تذبح الخراف.

ولكني أتحدث عن الذين وصلوا الى مواقع الحكم وهم في الظاهر يصلون ويصومون ويحجون وأحاديثهم لا تخلوا من الشعارات المأخوذة من نصوص القرآن وسنة رسول الله “ص” , وأصبحت لهم مناصب ومواقع يتحكمون من خلالها برقاب الناس , فمالوا لمصالحهم وأشباع رغباتهم وأهوائهم , فجمعوا حولهم المتزلفين والمنافقين , وأبعدوا أهل الكفاءة والصدق وألامانة , حتى أصبحت أعمالهم ممقوتة من قبل الناس , وأصبحت الشكوى عامة , والتذمر يسود اجتماعات المواطنين ,مثلما يسود الاعلام والصحافة , ويطغى على لقاءات المثقفين والسياسيين الذين تلفهم الحيرة , وترتسم على أفواههم علامة أستفهام كبيرة تحتاج الى جواب ؟

لذلك أردت بأذن الله , أن يكون هذا الحديث بمناسبة أطلالة شهر رمضان المبارك هو بيان لتلك ألاسئلة الحائرة حول مصداقية ألايمان ومتى يكون عاصما للمنتمين اليه من الانحراف؟

فاذا عرفنا الفرق بين الايمان , وبين التقوى , عرفنا السبب الذي جعل المتدينين ممن وصلوا لمواقع الحكم أفراد وأحزابا , أو ممن يمارسون التجارة , والمقاولات , ومهن الطب والهندسة والمحاماة وبقية المهن ألاخرى لماذا لا يعطون التدين الذي يدعون به حقه؟

قال الشاعر :-

ومن قبل أمنا وقد كان قومنا … يصلون للأوثان قبل محمد

والتقوى لا تفترق عن الهداية وألاستقامة , قال الشاعر :-

للفتى عقل يعيش به ….. حيث تهدي ساقه قدمه.

وقال جرير عن الاستقامة :-

أمير المؤمنين على صراط …. اذا أعوج الموارد مستقيم

والتقوى جامعة للآستقامة والهدى بلا خلاف قال عدي بن زيد :-

وجاعل الشمس مصرا لاخفاء به بين النهار وبين الليل قد فصلا فبعد أن يتبين معنى التقوى التي هي كالشمس التي تفصل بين النهار والليل, لايعود هناك معنى للإشكالات المطروحة اليوم بسبب مايقوم به بعض المتدينيين جهلا, وما يقوم به أدعياء الدين نفاقا.