ليس من السهولة أن تكوّن رأيا نقديا أو انطباعيا عن شعره؛ ولا يعود الأمر لكونه شاعرا معقدا أو ممن يخوضون في دهاليز الغموض لأغراض الغموض؛ لكن من يستطيع أن (يقشر الصوت.. ليظل الغناء نقيا..كما نشتهي) هو شاعر مراوغ حقا.. وبامتياز !!
• في القراءة الأولى لمنجز الشاعر حامد الراوي؛ تضعك بساطته في(موقف المتمكن)من كشف عالمه؛ فتاتي إلى قصائده كما الصياد إذ يأتي إلى غزالة هيّأها الفخ لإرضاء غروره؛ بهذه الثقة وربما باستعلاء أيضا- تقرر أن تمر مرورا سريعا بهوامش كحله؛حتى إذا توهمت الوصول؛وامتدت يداك إلى الجسد الدافئ.. المفعم بالحماسة والبخار-جسد الغزالة- هالك ما ستجد فالعتمة والبرق سيمسكان يديك؛ ويلبطان بينهما؛فثمة أجساد تتشظى الى غزالات عديدات؛وثمة بنى..وانساق..وتكوينات؛ فترتد وأنت في موقف لا تحسد عليه)موقف الحيرة)النفرية المعروفة ؛ ولا عجب..ففي قصائد الراوي(صوفية برية)لم تدجّنها حلبات الدراويش ولا طوعتها الفذلكات اللغوية !!
(فيا شيخي لقد صلى ثلاثا
قبيل النحر، وانطفأ الوريد
ويا شيخي أطعنا،ثم جعنا
أيقضم لحم جبته المريد
بين هذين الموقفين(موقف المكنة وموقف الحيرة)تغامر بنا عوالم الشاعر حامد الراوي؛وفي واحدة من المفارقات؛إن الشاعر يتآمر على نفسه-معنا- فلا يريدنا أن نشغل البال كثيرا فيلقي بمفتاح مريب قائلا :أن قطرة واحدة قادرة على إيجاز المطر !!
قد يصدق هذا القول مع شاعر(مستلم)وليس شاعرا(راوي) وأنا هنا العب على لقب حامد؛لأنني اعرف أن علي أن احذّر القرّاء؛
فالشاعر يريد أن يردّ لهم (فخ الغزالة) القديم؛فينصب فخه الشعري ويجلس على حافته بانتظار قدومهم؛ولا مناص:
ترفق: سوف أبقي صخرتي
بين فكيك فلا تطبق فمك؟!
• شاعر غير معني على الإطلاق بالتجنيس؛ ولا يلتفت للقوالب؛ وليس من اهتماماته أن يكون شاعرا تحيط به الألقاب والمسميات؛ فقصيدته هي)صخرة سيزيف)التي أوكلها إليه همّه الإنساني ؛ فحاول الارتقاء بها..وهو يدري بان المرتقى لا يؤدي إلى الآلهة..وليس هذا ما يعنيه فمشكلته الإنسان:
لا ظل يرصد عند
عين الملح ظلك
لا نصف مغفرة تحاول
أن تدلك
لا درب لا قنديل
إلا: خيمة صنعتك كلَك
*****
نصوص غنائية تسعى من خلال(هوامش كحلها)لان يكون الانسجام مع الذات هو مركز الشعر؛ في محاولة تعيد الاعتبار إلى القصيدة بعد أن حاصرها التقوّل؛والادعاء؛وسفسطة المدارس؛ وغريزة القطيع النقدي؛ ففقدت أهم حاضنات نموها : المتلقي .
(يدٌ على غيمةٍ فُضَّت مواسـمها
وغيمةٍ لم تزل تومي بغيرِ يدِ
الرملُ مملكتي ,عرشـي بها مِزَقٌ
من ثوبِ عذراءَ لم تولـد ولم تلدِ)
كنا نقول عن الجواهري انه شاعر ينتمي إلى الماضي؛ لكن هذا الشاعر(وهو يتعاطى عمود الجواهري ولبيد وأبي نؤاس)ينتمي إلى المستقبل من دون أن تؤرقه الرهبة :
(يحلو لي
وأنا في حضرة خمس زنابق غامضة اللون/أن أفتح بابا شرقيا/و أطل على روحي
و أرتب رأسي/أعني شعري/قافية قافية لأنام.
يحلو لي/وأنا في حضرة أنثى/تغرس في الرمل وساوسها/حذرا مني
أن أتنصل من صلصالي المدبوغ/وأسكن صوتا كونيا/يجعل من قلبي ثقبا
في شهقة ناي)
• خيال متدفق تذكيه ثقافة عريضة ؛ فتتراكض القصائد في حقول(الأصولية الشعرية) و(الحداثة) من دون ان تتعثر او تنكفئ لان جمهورها – ببساطة –
العشاق والمجانين .
*****
ألم اقل لكم انه شاعر مراوغ بامتياز؟!!