كنا فيما مضى قد درسنا-بشكل، منهجي، أكاديمي- ضمن مفردات (علم النفس الاجتماعي) كل ما يتعلق بالشائعات وملحقاتها من آثار وتأثيرات ونتائج، ولقد كان الاختلاف قائما ما بين النحويين والمتزمتين في مجال اللغة، ممن كانوا يصححون لنا- بحرص لا يخلو من توبيخ -حين نقول: (اشاعة أو اشاعات)، فيما يصرون هم على تسميتها بـ(الشائعات)، ولهم في ذلك ما يبرر لهم ويشفع، ولكن اللسان وما تعود عليه، له فعله، كما أني كثيرا ما احتمي واتدرع برأي يعجبني جدا للفيلسوف (ريلكه) يقول:
(الكثير من النحو … قمع)، لا بل يذهب ليقول ان كلمة (طبعا) بحد ذاتها، فيها نسبة كبيرة من (القمع).
ينفرد الانسان بكونه الكائن الوحيد الذي يتمتع بالقدرة على التوقع، والتوقع هذا له اتجاهاته وغاياته وهواجسه، وتختلف نسب مناسيبه من فرد لآخر، ومن مجتمع لآخر، بل من شعب لآخر تبعا لطبيعة وبيئة تلك الدولة ونظامها السياسي، وتلعب الاشاعات… عفوا… الشائعات دورا كبيرا جدا في تغيير الكثير من القناعات والميول والاتجاهات في حياة الأفراد، طبعا… وهذه الـ(طبعا) ليس فيها رائحة (قمع) بقدر ما فيها (نفع) لمن يحسن تسيير الشائعات، والتي قد تحتاجها الدولة أو الحكومة في بعض مفاصل حياتها، خاصة أوقات المحن وتفاقم الأزمات والحروب، لتكون الاشاعة، أقصد الشائعة بمثابة تحصين وتقوية للأفراد في تعزيز معنوياتهم، ولنا في تأريخ الحروب -قديما وحديثا- ما يؤكد زعم ودعم هذه الادعاءات التي تحملها الشائعات على ظهرها من أجل بلوغ هدف عام وأسمى من مجرد الهدف الشخصي والنفعي الذي قد يلغي تلك الاهداف الوطنية والقوميــة والانسانية الكبيرة، أمام المصالح الصغيرة والنفعية لأولئك الافراد من الانتهازيين وارباب الحروب وتجارها وفجارها، من الذين -أيضاً- يستخدمون الشائعات كسلاح (فعال) في التأثير على معنويات الشعب، بل وحتى الحكومة أو الدولة التي يعيشون فيها لو تقدر لهم ذلك الخبث.
لسنا بصدد تعريف الشائعات وتصنيفها على درجات التأثير من حيث… اشاعة الأمل… أو اشاعة الخوف… ثم باقي طواقمها الاخرى، أو تبعا اللون فهنالك ..اشاعة بيضاء وأخرى رمادية وغيرها سوداء، لكننا-هنا- بصدد الوقوف عند تلك الشائعات التلقائية وغير المدروسة التي يطلقها الأفراد والمستفيد من تحقيقها، عبر مرامي درجات توقعاتهم، جزافا (يشمرها عمية بلكن تصير مفتحة) وهذا النوع يا سادة.. يا كرام .. هو من أخطر أنواع الشائعات، لمن يعي ويفهم حجم ذلك الأثر الذي ينطوي عليه هذه الشائعة، أو تلك في حالة ترويجها هنا وهناك الى الحد الذي يصل الى أسماع الحكومة، التي ستكون ما بين (حانه ومانه) في امر تحقيقها أو عدم الانصياع لها أو تركها، وربما يكون هذا النوع هو مما يطلق عليه في الدراسة الاكاديمية-المنهجية للإعلام ووسائله، بنظرية تأثير سلطة الشارع على سلطة القرار السياسي، وهذا للامانة، محسوب ومنسوب لصالح الجماهير الغفيرة التي قد تستفيد من هذا القرار وليس ذلك الذي ينحصر في نطاق فائدة عدد محدد ومعين، من أصحاب وأحباب أو اقارب هذا المسؤول أو ذاك… مو تمام؟!
Hasanhameed2000@yahoo.com