فرحت الناس لان قائد الانقلاب عبد الكريم قاسم خلصها من النظام الملكي وتحالفاته المشبوهة، ومعاهداته التي كبلت العراق بقيود خارجية مقيتة، وعلاقاته مع كبار الإقطاعيين على حساب الفلاحين والشعب، وابتهجت الناس لان زعيمها شخصية عراقية وطنية، رسمت صورة جديدة للبلد، واستعادت العاصمة على يديه مجدها القديم وزهوها العمراني الحديث، فقامت عشرات الأحياء السكنية، وارتفعت أعمال جواد سليم وفائق حسن، ورأى العراقيون لأول مرة نصبا يخلد الجندي المجهول، وتنفس الفقراء الصعداء، لان زعيمهم يتفقد بنفسه خبزهم وراحتهم وحياتهم، غير أنهم لم يهنأوا طويلا، حيث أصبح الزعيم هو (الأوحد)، وأدت سياسته الفردية الى ترك الحبل على القارب، فإذا العراقيون يتقاتلون فيما بينهم، والدماء تسفك، عندها فقط بكوا على ملكهم الجميل فيصل الثاني، الفتى الذي كان يخشى الله أن (يدوس) نملة من حيث لا يدري، والذي ما صدرت عنه كلمة أو لفظة تخدش إحساس احد، وتساءلوا بعد فوات الأوان : (بأي ذنب قتلوا الملك وأية جريمة، وهل عبد الكريم وصحبه الثلة من العسكر حولوا حكم البلاد من صوت القانون وسيادته الى صوت الفرد ولغة العساكر)؟! ومات الزعيم وفرحت الناس بالأسرة: (العارفية) لأنها تحررت من الشارع المحتقن بالثارات السياسية، غير أن فرحها لم يدم طويلا، فقد توقفت حركة العمل والعمران، والإبداع الفني، وقفزت العساكر الى السلطة من جديد وامتلأت السجون عن بكرة أبيها بالمعتقلين، وخضعت البلاد لسياسة رجعية متخلفة أعادت العراق الى عقلية الولاة العثمانيين، وبكت الناس، فبكى الفقراء زعيمهم القتيل الذي كان عنوانا للنزاهة العفة، والذي لم ينتقم حتى من خصومه، بل أطلق عبارته التي أصبحت أنموذجا على روح التسامح الأخلاقي (عفا الله عما سلف)، وانقضى حكم الأسرة العارفية، وفرحت الناس واستبشرت، فقد ارتقى سدة الحكم (حزب) مدني يدعو الى الاشتراكية في طروحاته، وتخلص العراقيون من عصا العسكر وعقلية التخلف والولاة و.. وأخليت السجون من السياسيين، وتم تأميم النفط، وصدر بيان آذار، وشهدت البلاد خططا خمسية، ونهضت شوارع وجسور وأحياء سكنية و .. غير أن العربة لم تواصل مسارها، فقد انحرفت عن الطريق وخرجت عن السكة، ولذلك نشأ بدل السجن مئة سجن ومعتقل وزنزانة، وظهر بدل الوالي المتخلف، وال يحكم بالسيف والدم والمشانق، ويكمم الأفواه، ولا يكاد ينتهي من حرب داخلية حتى ينصرف الى حرب إقليمية فعربية ثم عالمية، وتحولت البلاد الى ساحة حروب وشهداء ومعوقين وأرامل وأيتام، حتى بكت الناس على الأسرة العارفية وأيامها، ورحل صدام حسين وانصرمت أيامه السود، وفرح العراقيون واستبشروا بالوافدين الجدد وهللوا ولكنهم منذ عشر سنوات يسألون عن طبيعة النظام وسياسته هل هو مدني أم عسكري أم حزبي؟ هل يقودهم بعقل الملك أم الزعيم أم الأسرة العارفية، أم بعقلية الأمريكان أم دول الجوار أم الدين، أم بعقلية البعثيين؟ وهل آن أوان ذرف الدموع على الدكتاتور أم يمهلون أنفسهم عاما آخر، بعد أن تعبوا خمسا وخمسين سنة من البكاء المتواصل ؟!