سيدي الحسين: عرفتك دمعة تسيل على خد أمي وتبلل لحية أبي، وسمعتك صوتاً يخاف منه الظالمون،أعلم أنك دمعة الله التي أسكنها في عيون الموحّدين له، مذ عرفتك وأنا أتعثر بخطاي ولفّني سواد ثوبك دخل الحزن في دمي، فرأيت الإيمان يتبعه مثل ظل، وحين تعرّفت عليك عدت أرى ألف دمعة تسيل على خدي وتبلل لحيتي فحمدت أمي وأبي أنهما عرّفاني بك منذ الف دهر. أنت أكبر من دمعة وأكثر من حزن، كيف يمكن لدمعات في عاشور أن تختصرك ؟ وكيف يمكن لمثلك أن يكشف عن صحيفة سابقاته بثوب أسود، أنا أتيقن أن الدمع لن يصل بي إليك حتى أتوضأ بدمك النبوي، أو قلْ: عبير دمك الذي رميته الى السماء ولم يسقط على الأرض، ولو أنه سقط على الأرض لساخت بما عليها، أعلم أنك أكبر مما نظنك، وأعظم مما نتوهمك، نحن نتكلم بقدر معرفتنا لا بقدرك ، وعن حسينك لا أنت، نعلم ان الدمعة تظلمك في القياس، لكن ليس لنا سواها لنصل بها الى يومك بكربلاء، ياما قلنا: يا ليتنا كنا معك فنفوز فوزا عظيما…لكن ملك الري أغرقنا بالدم من أجل أن يظن عمر بن سعد خيراً بحكومة بني أمية!!. أراك أكبر مما حولك يا ابن الزهراء ، لكنا تركناك وأنت تواجه الطغاة وحيدا إلا من صبرك والعباس وزينب، انا لا أبكيك يا سيدي وكأنني أرثيك، ولا أصرخ كأنني أناديك، أنت وقفت وحيدا حين نام العالم كله تحت نعلك المقدسة، وقمت حين دفن العالم نفسه تحت رمال كربلاء من خجل التاريخ، لكنني يا مولاي حزين حد اشتعال الجمر في اكفي، كيف يمكن لي أن أبحث عن ضمير مثل ضمير العباس فلا أكاد أعثر عليه في الناس أجمعين، كيف يمكن لمن كان قلبه كصالية الجمر من الظمأ ويمد يداه ليشرب،….. فلما أحس ببرد الماء رماه … أي ضمير تحمل يا ابا الفضل وأنت تغسل عار العالم بكفيك المتوضئتين بماء العازة وماء الغيرة… وحزين يا سيدي الحسين أن رضيعك لا يجد مضغة سوى أن تفطمه بدم النحور، كيف يمكن للعالم أن يقف على قدمين وهو يرى رضيعك «مقمطا بقماطه فلما أحس بحرارة السهم اخرج يديه من قماطه واعتنق رقبة أبيه الحسين وأخذ يرفرف كالطير المذبوح»…الرقبة الغض التي أقضت مضاجع العلويين…ماذا فعلت ياحرملة؟ هل ظننت أنها ابريق من الفضة فأردت أن تصوّب عليها أو تراك ظننت أنك في دورة اولمبية فأردت إثبات حسن رمايتك بالرقبة الاصغر من رقاب الشهداء؟..إذن لماذا تركت خيال عبد الله الرضيع يعود الى حيث ينام ابوه مقطوع الرأس ومرضوض الجسد؟ ولماذا يبحث حتى الآن عن حلمة ثدي لأمه ليقنعها بأنه مازال على قيد الرضاعة. يا سيدي الحسين: كربلاؤك صفعة في وجه التاريخ مازال حتى الان يبحث عن ماء سري ليمحو عارها من جبينه، كيف يمكن للبشرية ان تلد هذه الوحوش التي لا تحسن سوى قتل أبناء بنات الأنبياء، كيف يمكن للتاريخ أن يقف أمام وجه زينب وهو في حجب الانوار ليلة حملت ظهرك الذي يبحث عن رأسك الساجد فوق رمح لتناجي الله وتقول له: اللهم تقبّل منا هذا القربان.