الإرهاب ينخر «القارة العجوز» بعد غض النظر عنه في العراق

   المستقبل العراقي / رحيم شامخ
وأخيرا حدث ما كانت أوروبا تحذر منه وتخشاه، وصار التوقع واقعا!
وكشف الهجوم الإرهابي الذي تعرضت له فرنسا على مدى الأيام الثلاثة الماضية عن الخطر الحقيقي الذي كان يتربص باوروبا منذ اللحظة التي تسللت فيها أفواج الإرهابيين تحت انظار ومسامع أجهزة الامن والاستخبارات من القارة العجوز الى العراق وسوريا عبر مطارات تركيا وحدودها المفتوحة على مصراعيها.
واذا كان الهجوم على فرنسا انتهى بمقتل 17 شخصا منهم 12 صحفيا يعملون في صحيفة شارل ايبدو الساخرة ومصرع الإرهابيين الثلاثة فانه في الحقيقة ليس الا بداية لحرب طويلة مريرة مع الإرهاب على أوروبا ان تخوضها في شوارعها واحياءها واسواقها على مدى السنوات القادمة. وهذا ليس رجما بالغيب بل هو خلاصة للتقارير والدراسات والتوقعات التي صدرت عن باحثين وخبراء في شؤون الامن والإرهاب حذروا فيها على مدى السنة الماضية من الانعكاسات والتداعيات الخطيرة لعودة الالاف من مسلمي أوروبا الذين ذهبوا للالتحاق بالجماعات الإرهابية في سوريا والعراق على الامن الأوربي حيث أصبحت ساحات القتال مدارس لتزيد هؤلاء بالتدريب والخبرات القتالية والتقنيات التكنلوجية التي تمكنهم من تنفيذ عملياتهم الارهابية. 
واذا كانت فرنسا هي الأكثر تعرضا لخطر الإرهاب بحكم حجم الجالية الإسلامية فيها فان الدول الأوروبية الأخرى لن تسلم منه أيضا في ضوء الاعداد الكبيرة من مواطنيها الذي يظهرون بشكل متزايد في اشرطة الفيديو التي تبثها وسائل اعلام التنظيمات الإرهابية وخاصة بريطانيا وألمانيا.
واذا كانت تركيا قد فتحت مطاراتها وحدودها ومياهها امام الإرهابيين للمرور الى سوريا والعراق فهذا لا يرفع اللائمة عن الدول الاوربية الأخرى التي وقفت موقف المتفرج او غضت النظر عن هذه الجماعات الإرهابية ونشاطاتها على أراضيها طالما كانت لا تشكل خطرا انيا على مواطني هذه الدول ومصالحها.لكن القضية الأهم التي على الغرب مواجهتها هو ليس فقط الإجراءات المتخذة في حال عودة هؤلاء الإرهابيين الى الدول التي انطلقوا منها بل هي العوامل الحقيقية التي تقف وراء نمو وانتشار الإرهاب والتطرف بين مسلمي أوروبا؟ لان الجواب عن ذلك من شانه ان يوفر قاعدة علمية صحيحة لبناء استراتيجية فعالة بعيدة المدى ليس للتعامل مع الإرهابيين العائدين من ساحات القتال في سوريا والعراق واليمن فقط بل أيضا لضمان عدم تناسل هذه التنظيمات الإرهابية في المستقبل وبالتالي تفرع وتعقد المشاكل الأمنية والسياسية والاقتصادية الناتجة عن ذلك.
ان الجواب واضح ومعروف لكل المهتمين بشؤون الإرهاب وعوامل انتشاره في العالم وهو يعود أساسا الى غض النظر من قبل دول العالم وخاصة أمريكا وأوروبا عن الخطط المستمرة والمتصاعدة منذ سبعينيات القرن الماضي لنشر الفكر الوهابي المتطرف عبر استثمار الأموال الضخمة التي نتجت عن الطفرة الهائلة في أسعار النفط في بناء المساجد والمدارس والمراكز الثقافية والجامعات في مختلف انحاء العالم. وقد تحدثت دراسات موثقة عن ان السعودية انفقت اكثر من 100 مليار دولار على مدى اكثر من ثلاثة عقود في هذا السبيل. وأشار باحثون امريكيون الى ان اكثر من 80% من المساجد في أمريكا تدار من قبل رجال دين وهابيين. وفي أوروبا وحدها تم بناء الاف المساجد ومئات المراكز الثقافية، وفي السويد التي تستقبل اكبر عدد من المسلمين المهاجرين الى أوروبا يوجد هناك اكثر من 1400 مسجد تم بناؤها باموال سعودية. والنرويج هي الدولة الوحيدة التي رفضت طلبا لبناء مسجد يمول من السعودية. والتمويل في الحقيقة لا يتعلق بالبناء فقط بل يتعداه الى تعيين امام المسجد الذي يجب ان يكون على المذهب الوهابي ويقوم بتعليم الإسلام على أساس العقيدة الوهابية حصرا. وتقول التقارير ان عدد الدعاة السعوديون يفوق ثلاث مرات عدد افراد بعثاتها الدبلوماسية في الخارج وان هؤلاء الدعاة يعملون بالتنسيق مع السفارات والقنصليات السعودية في هذه الدول. وتلعب المدارس التي يتم انشاؤها في الاحياء الإسلامية الفقيرة دورا أساسيا في تربية الأطفال وتنشئتهم على العقيدة الوهابية والفكر المتطرف. وهذا فقط فيما يتعلق بالسعودية اما قطر فلا تقل خطرا عنها في استغلال الحاجة المادية للمجتمعات المسلمة في الغرب في نشر وترويج الفكر الوهابي.
هذا هو السؤال الأكبر الذي يواجه الغرب ويجب ان يقض مضاجعه لان غلق الحدود وتشديد الحراسات في المطارات والموانئ لن تجدي نفعا إزاء افة تتم تنميتها ورعايتها واكتمالها في داخل هذه البلدان نفسها وهذا ما يجعل الحد منها والقضاء عليها مهمة صعبة ومعقدة تتطلب جهودا مضنية وفرض إجراءات مشددة وإصدار تشريعات قانونية قد تؤدي بالنتيجة الى التضييق من مجال الحريات والحقوق التي تتمتع بها هذه البلدان.
ويتصل بذلك أيضا الأخطاء القاتلة للسياسات الغربية اللامبالية ازاء السياسات الطائفية لبعض الدول الخليجية وخاصة تغاضيها بل وأحيانا دعمها للمنحى الطائفي التي انزلقت فيه ثورة تغيير النظام في سوريا بسبب تدخلات الدول الخليجية وسكوت هذه الدول عن انتهاكات حقوق الانسان وحريات التعبير في هذه الدول يعد من اهم الأسباب وراء انتشار الإرهاب في المنطقة الذي وفر الملاذ والحاضنة للإرهابيين من مختلف انحاء العالم واصبح مدرسة للاعداد والتدريب واكتساب الخبرات في القتل والإرهاب والتدمير ضد الناس الأبرياء.
ان إعادة النظر في السياسات الغربية وتقويمها يعد من العوامل الأساسية في عملية القضاء على الإرهاب في المنطقة وفي العالم. وياتي ذلك من خلال تحرير سياساتها من ضغط المصالح الاقتصادية التي تجمعها بدول المنطقة التي تعتبر حواضن لانتاج وتفريخ الإرهاب. واذا نظرنا الى الإرهاب على انه مشكلة ثقافية فكرية في الأصل فان ذلك يحتم على الدول الغربية ممارسة الضغوط على الدول التي تتخذ من الفكر الوهابي التكفيري عقيدة لها تعتنقها وتدرسها في المدارس والمساجد وتروج لها وتسعى الى نشرها عبر مختلف الوسائل وخاصة الإعلامية منها والتربوية. 
ان ارتهان سياسات الدول الغربية لمصالحها الاقتصادية هو احد الأسباب الرئيسية التي تجعلها تغض النظر عن الممارسات اللاإنسانية التي تجري في دول المنطقة الراعية للإرهاب في العالم ما يدفعها الى التمادي في استخدام العقائد الدينية ونشر الفكر المتطرف بشكل منهجي ومدروس وسيلة لتحقيق سياساتها وحماية مصالحها مع ما ينتج عن ذلك من قتل وتخريب وعدوان لا يقتصر على دول المنطقة بل يتعداها الى كل دول العالم.