وائل عبد الفتاح 

ما رأيناه فى فيديو ذبح 21 قبطيا مصريا فى ليبيا، هو ذروة تليفزيون الواقع، الذى قام أساسا من أجل إزاحة الملل الذى أصاب الجمهور من خيال الكتاب والمخرجين والممثلين.تليفزيون الواقع كشف عن مخابئ مفزعة فى نفسية الجمهور الذى أصبح بطلا، وهذا ما تقوم عليه ميديا داعش وشقيقاته من ميليشيات الأممية الإسلامية، آكلة الدول.
إنهم فرقة رعب متحدة، تستحضر كل ما فى صديد البشرية من عنف وغل وكراهية، على شريط واحد يتم تصويره بمزاج رومانتيكى، يناسب مزاج السفاحين الذين يقتلون بكل رقتهم المفرطة، فالسفاح ينقذ البشرية بالقتل، ويذبح ضحايا على خلفيات موسيقية، تقطعها نصوص عن التماهى مع الله ونبيه المرسل بالسيف رحمة للعالمين.
ولتكتمل الدراما يلعبون بالألوان: برتقالى للضحايا، وأسود لفرقة القتل، أما قائدهم فيرتدى زيًّا مستوحًى من أحدث موضات الجيش الأمريكى، ألوان أممية، استدعاها خيال يختزن دلالات أوسع من المعروف عن هذه البقعة من العالم، لكنهم ومن أجل مزيد من المحلية يستعيدون من التاريخ القريب قصة كاميليا وأخواتها، لتكون المبرر الدرامى للذبح الجماعى.
اختيار حرب كاميليا له أهمية فى حشد جمهور من الأنصار، استقر فى ضمائرهم المفعمة بالوسطية الجميلة، والاعتدال، أن هناك ثأرا مؤجَّلا لاستعادة المرأة التى تركت بيتها، وتقول الروايات إنها أعلنت إسلامها (ربما للتخلص من رابطها الحديدى بزوجها، وتتحرر كفرد له إرادة حرة على جسده ومشاعره).
داعش يبحث عن جمهور تنام داخله بحيرة دم صغيرة، ستنفجر فى يوم من الأيام، ليكتمل دينه.داعش يبحث عن هؤلاء الذين لا يكتمل دينهم إلا بالقتل فى سبيل الله، ولا تشبع تُربتهم المؤمنة الا ببحار دماء ، ليعود مجد الخلافة .
جند الخلافة هم الجمهور الذى أصبح بطلا فى تلك الحلقات المصوَّرة باحتراف رومانتيكى، عن واقعنا الذى استثمر أكثر من خمسين سنة فى نفايات البشرية. داخل كل مؤمن بعودة الخلافة داعشى سيظهر ذات يوم فى تليفزيون الواقع، الذى تلمع فيه السكاكين على رقاب ضحايا، تتخيل من فرط الهدوء أنهم فى بروفة وسيعودون إلى الحياة.
والقاتل يرتدى قناعا، ليمنح لجريمته غموضا مثيرا لحواس القلق، ربما تكون أنت هذا القاتل، وربما يكون هذا الذى يمشى محمَّلا بنفايات التيارات الإسلامية، وأفكارها الدموية، فالذين خرجوا من أجل استعادة أختهم كاميليا.. ظهروا بجوارنا معتدلين وعاديين بل إن لهم حزبا ونجوما على الشاشات، بل بينهم مَن يشحنون خطبهم كل جمعة بهذه النفايات التى تنفجر فى وجوهنا.
ربما تكون هذه المشاعر من إخراج أجهزة مخابرات أو دعم دول مثل قطر أو تركيا أو خلافه، لكن الأهم من ذلك أنها تربية 50 سنة، استثمرنا فيها فى تكفير حياتنا المعاصرة، و الهجرة إلى زمن آخر نشعر فيه بأننا عظماء.
ولا بد أن نعترف بأنه رغم كل الفزع والحزن من فيديو ذبح الأقباط المصريين فى ليبيا، فإن هناك جمهورا رأى فيه أنه فضيحة لما يحلمون به منذ أن كان عبد رب السياف الشيشانى نجمهم، ومَثَلهم الأعلى.

التعليقات معطلة