ظاهرة الاسطورة في قصيدة النثر العربية

      محمد شنيشل الربيعي 
( 1 )
ما هي الأسطورة ؟ إنني أعرف ما هي ,بشرط ألا يسألني احد عنها،ولكن إ ذا ما سُئلت , وأردت الجواب , فسوف يعتريني التلكؤ
أوغسطين
“اعترافات”
سلمنا أن تمهد المقدمات الى النتائج في اي بحث او دراسة ولكن استهلال “اوغسطين” عززه فولتير بقوله (انما يقوم بدراسة الأساطير الحمقى , ان اي أمرئ يبحث دراسة الاساطير ,كما افعل انا هنا ينبغي ان يرتعد من معرفته المؤهلات الدقيقة التي يجب ان يوظفها في هذه المهمة ) ان التطابق في الرؤى لهو دليل على صعوبة دراسة الأساطير ولو تتبعناها علميا سنعرف ان علم الميثولوجي علم حديث والتخصص فيه قليل وذلك لتداخل الاسطورة والخرافة تحت مواضيع وعلوم اخرى كعلم النفس والتاريخ والانثربولوجي … مما طبعها بطابع العلم وعرفت ضمن هذه المقبولية وفي وجهة علم واحدة وقد رأى “زينوفانيس” في الأساطير (حكايات القدماء في الدين )”وسقراط ” رأى (ان صفات الالهة يمكن اكتشافها من تحليل اسماء الاصنام) اما “تياجنس” الذي ذهب الى استنباط فلسفة الاولين سالكا طريقة اصحاب (التشبيه والمجاز) فقال مثلا: (ان المقاتلة بين الالهة ليست بمقاتلة حقيقية بل يعبر بها عن التنازع بين عناصر مختلفة مثل الهواء والماء والنار والتراب ,او بين عواطف نفسانية مثل الحب والعداوة ).ومنهم من قال ان الاسطورة هي التاريخ في صورة متنكرة .
يتفق الجميع ان القرن الثامن عشر هو بداية نقد الاساطير بالمعنى الصحيح على يد المفكرين “ماكس ملر” و “هلبرت سبنسر” واللذان اهتما بالاساطير اهتماما كبيرا وبذلا مجهودا واضحا في تحديد معناها فعرفها “ملر” انها مرض من امراض اللغة وبهذا التفسير جعلها جزء من عالم اللغات اما “سبنسر” وجدها (إدراكا مبتدئا بل إدراكا خاطئا) وكأنه يشير الى مدركات الانسان البدائي وماهية معتقداته وتفكيره ونحن نرى ان الاسطورة خيال مبدع مبالغ فيه اوجدته الحاجة الى تفسير الكون طلبا للامان وان جانب المنطق في الكثير من زواياه اذا ما تجاوزنا تفسير الاساطير من وجهتي نظر علم النفس والفلسفة نظريا نلاحظ ان الاسطورة عالم خاص تتداخل فيه الكثير من الرؤى فهو ليس بقصة او حديث عابر او منام يُفسر وانما هو لغة عالمية كل من يسمع بها يعرف انها اسطورة وهذه بدورها تستعصي وانها تظهر وتختفي حسب حاجة الانسان ومدى مدركاته لهذه الحاجة كما ان حاجة الزمن هي مدرك آخر من مدركات الحياة الجديدة ولا يستثنى من ذلك العالم المتقدم صحيح ان العلم والتفكير بمقتنيات العصر تخطى مرحلة التفكير الاسطوري الذي كان في يوم ما مرتكزا له وعندما نقول بعدم الاستثناء نعتمد على ما نراه من ان جزء من دخل الاوربي يذهب الى قضايا في التخريف مثل الفال والسحر والشعوذة وانتقاء غيبيات لحالة مستقبلية .
اما عند العرب ترى الاسطورة في احسن حالاتها انتشارا فهو(العربي) منتكس بها تارة ومتأملها اخرى ,اما تأمله الاسطوري فانه موضوع اعتقاد بالنسبة له وهنا تكمن خطورة هذا الفهم اذ ان الاعتقاد سلوك والسلوك هوية مجتمع ويستنتج منها التشدد على وحدة العالم الميثولوجي ,وحدة البطل ,وحدة الواحد الذي يبدأ منه كل شيء واليه يتوجه دائما ,متجاوزا كثرته عوالم من الثنائيات المتعاكسة والمتكاملة وتمهد بذلك السبيل الضروري لمعتقد التوحيد عند العرب.
استعرض السياب الاسطورة في شعره بشكل يبعث على التساؤل ولغزارتها ربما افقدت بعض النصوص شعريتها ,فما كان الشاعر يريد بها ومنها ؟ لقد حاول السياب كشف سر استخدامه الاسطورة بشكل مقنع او غير مقنع مع وجود ازمة الشعر العربي وقلة رموزه الاصيلة فوجد السياب منفذا آخر للرمز عن طريق الاسطورة لأنها برأيه المعبر الوحيد عن الواقع المعاش الذي يشهد الهزيمة في كل نواحيه ثم ان البيئة الاجتماعية هي الاخرى قد وظفت مفهوم الاسطورة لوجود حضارة عريقة في هذا المكان ثم ان التنشئة الاجتماعية هي الاخرى لعبت دورا قد اكد فهم الشاعر لمقتنياتها المتنوعة والتي عرف النقاد بواسطة السياب تلك الرموز وحلحلتها , كما ان الاسطورة العربية تركز على الفرق العضوي بين الرجل والمرأة مما جعل قضيتها تاريخية منذ آدم وحواء الى مجيء الاسلام الذي ساوى بين الجنس البشري .