عطيل الجفال
الانتصارات العراقية تلقي بظلالها على الازمة السورية، وكذلك أحداث اليمن. ولنتائج مفاوضات النووي الايراني انعكاسات مباشرة على المشهد السوري، وللتطور المفاجئ في العلاقات الايرانية- التركية انعكاساته أيضا. حتى لتبدو الأزمة السورية وكأنها مركز أزمات المنطقة. التمهل الاميركي الاوروبي في حلحلة الازمة، أو حسمها، لا يبدو مطروحا ضمن الزمن المنظور، وتدريب المعارضة السورية يستلزم وقتا طويلا، هذا ما تلوكه الماكنة الدبلوماسية المعنية بالوجه الآخر للأزمة، وكأنها ولدت البارحة من رحم الفوضى الخلاقة. هل كانت كوندليزا رايس تعني دمشق حين قالت ان مخاض الشرق الاوسط الجديد يجري في بيروت؟.
مؤتمر جنيف يبدو مسلسلا طويل الحلقات، فبعد جنيف1 وجنيف2، ثمة تحضيرات لجنيف3، لكن التغيير يشمل، حتى الآن، التسلسل فقط دون ان يمس جوهر أهداف وآليات المؤتمر. من هنا تأتي استحقاقات الحلفاء على الجانب الآخر من نهر الدم. إيران التي كسبت الجولة الاهم في مفاوضاتها مع الغرب حول برنامجها النووي لايمكن أن تضع الحليف السوري خارج مشهدها الاقليمي، هذا بالضبط ما كان يعنيه وزير خارجيتها محمد جواد ظريف حين وجه أصابع الاتهام لأنقرة بتأجيج أزمات المنطقة. والاتفاقات الاقتصادية الكبيرة التي أبرمت بين تركيا وايران على هامش زيارة رجب طيب أردوغان لطهران، لايمكن ان تكون صفقات تجارية مجردة، فإيران تعي حجم التدخل التركي في الامتداد الجغرافي لتحالفاتها، وخصوصا في سوريا، لذا فان الازمة السورية والقضية العراقية كانتا على رأس محادثات الرئيس الايراني روحاني مع أردوغان.
هنا، قد لا يبدو التنسيق الايراني الروسي معلنا، لكنها ليست مصادفة، على أية حال، أن تطرح موسكو مبادرة منتدى موسكو2 التي جمعت أطراف الأزمة السورية على طاولة مفاوضات موسكو1، باستثناء الائتلاف الوطني السوري المعارض الذي تغيب لعدم تحقيق رغبته بأن يكون ممثلا وحيدا عن المعارضة بحسب المؤتمر الصحفي لمنسق اللقاء فيتالي نعومكين. وزير الخارجية الروسي لافروف وجه المشرفين على اللقاء بضرورة منح الاطراف، جميع الاطراف، قدرا من المرونة في التمثيل وفي مساحة الحوار. لذا، كانت الدعوة موجهة الى تنظيمات وفصائل دون تحديد أسماء من سيشارك من قادتها، كما ان الدعوة حملت صيغة “الوصول إلى مصالحة وطنية وتسوية الأزمة”، ويبدو أنها تهدف الى البحث عن “أسس العملية السياسية بما في ذلك بيان أحكام جنيف”، وليس عن حل سياسي وفق مبادئ جنيف، كما كان عليه الأمر في موسكو1، ما يعني أن الاطراف التي اتخذت من مسلسل جنيف ذريعة للمراوغة، لم تعد قادرة على نقل الاسلوب ذاته الى أروقة موسكو2، وهكذا تم الضغط للشروع بالتحضيرات الجادة لمؤتمر جنيف3، الذي يجب ان ينعقد تحت ظروف مغايرة لتلك التي شهدت انعقاد نسختيه، جنيف1 وجنيف2.
“موسكو2 كان لقاء تشاوريا بحتا، ولا يعتبر عملية تفاوضية، وهو ليس بديلا لعملية جنيف، إذ لا يمكن التوصل إلى حلول سريعة لأزمة كبيرة مثل أزمة سوريا”، هكذا يصف نعومكين اللقاء، لكنه من جهة ثانية يقول، ان الطرفين “الحكومة والمعارضة، تمكنا، ولأول مرة، من تبني وثيقة سياسية”. وهو الأمر الذي يؤكده قدري جميل، رئيس حزب الإرادة الشعبية السوري المعارض بقوله ان النقاش كان “عميقا وجديا وصعبا”، مبينا أن “الإجماع في ظل تعقيدات الأزمة وتعقيدات المعارضة وتعقيدات الجهة الرسمية السورية، هو حدث غير مسبوق في تاريخ الأزمة السورية”.المتابعون للأزمة السورية يرون أن أهم ما حققه لقاء موسكو هو تحديد الطرفين، النظام والمعارضة، لمحددات وأسس عملية سياسية يراد منها الحفاظ على السيادة الوطنية ووحدة سوريا أرضا وشعبا والحفاظ على مؤسسات الدولة وتطويرها والارتقاء بأدائها، ورفض أية تسوية سياسية تقوم على أساس أية محاصصة عرقية أو مذهبية أو طائفية، وأن الطريق الوحيد لانجاز الحل السياسي هو الحوار الوطني السوري – السوري دون أي تدخل خارجي.
كما ان أبرز البنود التي تم الاجماع عليها هي؛ مطالبة المجتمع الدولي بممارسة الضغوط الفورية والجدية على جميع الأطراف العربية والإقليمية والدولية التي تساهم في سفك الدم السوري بتنفيذ قرارات مجلس الأمن ذات الصلة بمكافحة الإرهاب ووقف جميع الأعمال الداعية له، ومطالبة المجتمع الدولي بالرفع الفوري والكامل للحصار وجميع الإجراءات الاقتصادية القسرية أحادية الجانب المفروضة على الشعب السوري ومؤسساته، ومطالبة المجتمع الدولي بالمساعدة على إعادة اللاجئين إلى وطنهم وتهيئة الظروف المناسبة لإعادة المهجرين.
قد لا يكون لقاء موسكو قد أوجد حلولا سحرية للأزمة السورية، لكنه بالتأكيد منصة شروع لحل تلك الازمة، من خلال تكريس التوازن الدولي في الوقوف على ضفتيها، ما يضمن عدم العبث من قبل أطراف دولية لخلخلة ميزان القوى داخل الميدان، كما انه يؤكد بأن حل الازمة السورية مهما طال أمدها، هو سياسي.. وسياسي فقط. 

التعليقات معطلة