التحليل السياسي /غانم عريبي
بيجي درة وتكريت مساحة من تراب وشتان بين درة الثروة الوطنية التي تفيض المُصفّى من النفط وتراب لا تأتي منه الا الاتهامات المباشرة للحشد الشعبي وسرايا المقاومة، مع ان الدم الذي اريق على جنبات التراب من اجساد ابناءنا في تكريت لا تستطيع بيجي من تكرير ما يعادله اجساد مقدسة لمئة عام قادمة!.
من اهمل نافذة الثروة في بيجي وقدمها لقمة سائغة في افواه الدواعش وبقي صامدا في تكريت ظنا منه ان تكريت نهاية التاريخ وبيجي باتت آمنة من هجمات ابناء ابي سفيان؟.
ما جرى ان داعش اوهمتنا بهزيمتها في تكريت لكنها وهي هاربة من مواقع الدور والعوجة اخذت قرارا بمباغتتنا في بيجي بأسبابها الاقتصادية عبر الحاجة للنفط والمكرر منه في المصفى وللحاجة الى استبداد الهيبة التي فقدتها في المعارك الاخيرة!.
الذي حصل اننا قصّرنا مع المصفى ومع الثروة الوطنية ولم نعط اولوية لحماية هذه المساحة المقدسة من ارض الوطن ما تستحق ان تكون عليه مساحة مماثلة واهملنا هيبة الدولة عبر التركيز والتخطيط بعمليات الانبار التي بات خمسون بالمئة منها بيد داعش في ما تقترب مجموعات اخرى من هذه العصابة السرية من المجمعات الحكومية فيما استعادت مجموعات ابي سفيان الداعشية (هيبة الدولة) البغدادية بقتلها آمر لواء المصفى والتوغل عميقا في الاسوار الكونكريتية المنيعة للمكان.
اوهمنا الاعلام الحكومي ان بيجي باتت في الخلفيات لكن المعارك الاخيرة كشفت ان داعش لا زالت في الخلفيات وان الخلفيات في ثقافتها العسكرية هي (اماميات) متقدمة ولم يستطع الجهد الاخباري للجيش والقوات النوعية المتحشدة ان تنظف المكان من الوجود الداعشي رغم انها لا تبعد عنه رغم اعلان الحكومة العراقية بتحرير بيجي اكثر من مئتي متر على ابعد التقديرات.
ان المواطن العراقي بات في حيرة من امره وهو يكتشف ان بيجي تحررت من الدواعش وان القوات العراقية وضعتها خلفها وان الطريق بات آمناً بوجه جحافل الحشد الشعبي الى المدن والقرى والقصبات العراقية المحتلة ثم يستفيق على معلومات توردها وكالات الانباء المحلية وهي تقول ان داعش توغل عميقا ولا يبعد سوى عشرات الامتار عن المؤسسات الخاصة بالمصفى تماما كما وصل على بعد عشرات الامتار من المـــجمعات الحكــــومية في الرمادي!.
ان هذه الحيرة تتدفع المواطن العراقي الى عدم التصديق باعلام الدولة العراقية ولا ببيانات الدولة العراقية الصادرة ولا بتقديرات كبار الضباط الذين يتحدثون عن تفاصيل معارك بيجي من موقع المسؤولية المباشرة عن المصفى.
قلناها ونكرر تأكيد القول هنا.. ان هنالك شيئا ما حدث ووسع من (شق النفوذ الداعشي) في المصفى وهذا الشق نبهنا في وقت سابق القيادة العامة للقوات المسلحة عليه قبل وقوع الكارثة بستة اشهر ولكبار الضباط المسؤولين عن ادارة المصفى وكتبنا في هذه الاثناء كلاما مهما عن تفاصيل عسكرية وامنية مهمة داخل المصفى وعلى حدوده تتعلق بكفاءة الضباط المشرفين وعمليات القصف الجوي لمواقع داعش حيث تمت كثير من تلك الهجمات بالخطأ فتم قصف قواتنا المسلحة داخل المصفى وعلى حدوده.. وكانت الردود ان هذا الكلام مبالغ فيه وان الاجواء مستقرة ومستتبة في المكان!.
ليعمل القائد العام للقوات المسلحة ان الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية لا تقدم الدعم الاستخباري والامني والتسليحي للقيادات العسكرية المنكسرة بل تقدم الدعم للمنتصرين في المعارك الفاصلة.
نحن ندرك ان الرئيس العبادي يقوم بعمل استثنائي في هذا الاطار ويعمل بكل جد من اجل اختصار زمن الانتصارات والحاق الهزيمة الشاملة بداعش ولكن عليه ان يمارس دوره وصلاحياته الرئاسية الكبيرة لمنع وقوع الاخطاء بأستخدام اكبر مساحة ممكنة من النفوذ السياسي والعسكري للاطاحة بالضباط المنهزمين وتسليم القيادة للضباط الاكفاء.
لابد ان نتصارح مع اخوتنا في التحالف الوطني وفي الحكومة العراقية اننا غالينا بالانتصارات التي حققتها القوات العراقية في ما مضى في تكريت وجرف الصخر وعشرات القرى والقصبات والمدن العراقية التي كانت محتلة من قبل داعش واستولينا على القصور الرئاسية واستخرجنا جثامين شهداء سبايكر لكن داعش استولت على بيجي وستبدأ منذ الليلة -لا سمح الله- استخراج النفط من المصفى وبيعه للتجار.. وهكذا تبدأ دورة التاريخ بالحركة والفاعلية التصاعدية والتنازلية!.
في الدرس المستخلص من خرق بيجي ان على القائد العام للقوات المسلحة التنبه بضرورة اجراء تغيرر حقيقي في البنية العسكرية الماسكة للمصفى بسبب المؤاخذات والملاحظات الميدانية المثبتة على اداء المسؤوليات العسكرية المسؤولة عن هذه البنية.
المهمة الاخرى ان المسألة لم تعد رئاسة وزراء منقطعة الصلة عن مرجعية التحالف الوطني ومكوناته السياسية اذ لا بد من العودة الى التحالف وبيان الاسباب التي تؤدي دائما الى الانكسارات العسكرية وتفجير الاستقرار في العاصمة بعشرات المفخخات بنفس المستوى الذي نعود فيه الى التحالف الدولي.
ان العودة الى التحالف الوطني ضرورية مثلما هي ضرورية دراسة اسباب الاخفاق الاخير لكي لا تستفحل الازمة وتتشكل مجموعة من الجبهات السياسية في بغداد ضد رئيس الوزراء اضافة الى الجبهة الداعشية التي اقتربت منا في بيجي كما حدث مع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وبنفس المكان!.
ان واحدا من اهم الاسباب التي ادت لخسارة الموصل وتدهور وضع القوات المسلحة فيما بعد الهوة الواسعة الشاسعة بين رئيس الوزراء والتحالف الوطني وقد ادت الجبهة السياسية التي تشكل ضده في التحالف الدولي الى نهاية عهد الرئيس المالكي لكن بخسارة ثقيلة على المستوى الوطني.
الاعفاءات التي طالبت مئات الضباط في وزارة الدفاع وفي مختلف المستويات والصنوف رسالة يجب ان تفهم في اطار تنظيف المؤسسة العسكرية من الحالات الفاسدة والضعيفة وغير الكفوءة وان ننطلق الى بناء قوات مسلحة نوعية لا ان نفاجئ بعد يوم من قرار حملة الاعفاءات بانهيارين كبيرين في بيجي والرمادي!.
بيجي ناقوس خطر كبير لا يمكن تجاوزه ونصف الحكومة في واشنطن فكيف سيكون الامر وبيجي في قبضة داعش؟.
ان القائد العام للقوات المسلحة مطالب بتجاوز امتحان بيجي العسير بعد كل موجات الكر والفر التي جرت بين قواتنا المسلحة وداعش وان يضعنا في صورة ما يجري في كل مرة يتم فيها تحرير المدينة من الدواعش ثم يعودون مرة اخرى ويدخلونها او يهددونها ويشكلون خطرا كبيرا على احترازاتنا الامنية واجراءاتنا المماثلة لحماية الثروة الوطنية التي نحن بأمس الحاجة اليها في ظل انخفاض حاد في اسعار النفط العالمية وعلى رئيس الوزراء ان يستدعي القوة العسكرية المكلفة لحماية المصفى ويطالب بشرح واضح في الاسباب التي ادت وتؤدي دائما لحدوث هذه الخروق الكارثية.
بيجي لا بد ان تعود في الساعات القادمة سيادة الرئيس وخرق داعش في المصفى يجب ان لا يتكرر.

التعليقات معطلة