التحليل السياسي /غانم عريبي
إذا كان ممكناً اعتبار التفجيرات الاخيرة التي هزت العاصمة بغداد جزءاً من الحرب الضروس التي يخوضها العراقيون في مواجهة الارهاب فان تفجيرات الكرادة لا تنطوي على فعل تدميري قدر انطوائها على فعل تحذيري.. التحذير من الاقتراب من الاماكن واللحظات والملفات الحساسة!
يبدو ان هنالك رسائل لايمكن ايصالها الا عبر المفخخات تتعلق بالتسليح والتفاوض والاقتراب من الملفات الحساسة التي لم تحسم طيلة فترة الصراع مع الارهاب والصراع السياسي الجاري حالياً في البرلمان بين الكتل المختلفة مثلما يبدو ان تلك الجهات السياسية تعرف ان الحسم لا ياتي عبر التفاوض لإيمانها ان التفاوض السياسي والاستمرار بالحوار مع الرئيس العبادي والتحالف الوطني تحت «سقف الوطن» تعني زيادة في القوة السياسية للحكومة العراقية الحالية والتلكؤ في عدم احراز تقدم حقيقي كما ترغب الى ذلك تلك القوى!
التفجير الاخير وقع في ساحة كهرمانة بداية دخول منطقة الكرادة داخل وهذا يعني ان مشهد الدخول الى تلك المدينة المعروفة والحي التجاري الشهير في بغداد ستكون هدفا لوسائل الاعلام العربية والاجنبية والعراقية حيث سيتم التقاط الصور واخذ البوستات التلفزيونية القصيرة اضافة الى تصوير منطقة التفجير وهو «انتصار» ارهابي تحققه القوى الظلامية كما تتصور هي على قوى الشعب العراقي والحكومة والحشد الشعبي وسرايا المقاومة في الحرب!
العملية الاخيرة تشير على ما يبدو الى سهولة في اصطياد الاهداف التفجيرية في العاصمة ما يؤشر في الحقيقة الى نوع من التهاون او التعاون مع الاجهزة الارهابية والا كيف يمكن الوصول الى منطقة محشوة بالامن والنقاط العسكرية والامنية وتفجر ولااحد يعرف كيف دخلت السيارة المفخخة وكيف تحركت ووصلت الى اهدافها؟!
هنا اخاطب وزير الداخلية السيد الغبان واقول له.. لا تستسهل التفجير الاخير من الناحية الامنية وربما تقبل التفسير الامني الذي يقدم لك على شكل تقرير من قبل الضباط بل عليك وانت العارف بالمسالة الامنية الخبير بالشان الوطني في الساحة العراقية الوقوف على التفاصيل واجراء قلم العقاب على من تورط واساء او من تغافل ودفع بالارهاب الى تفجير المكان وايقاع هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى.
المسالة التي نكتب عنها دائما ونحذر من تفشيها ونطالب دائما وابدا الى التضييق عليها ووضع الاصابع على مفرداتها هي الاسباب السياسية وراء التفجير اذ ليس كل التفجيرات الارهابية تقف خلفها المهزومة داعش بل هنالك جهات سياسية تحاول فرض شروطها السياسية من خلال الارهاب وارعاب الساحة العراقية.
السيد وزير الداخلية:
ان الانتصار الكبير لا يتحقق باستعادة ارض تابعة للسيادة الوطنية من احتلال داعش بل من خلال ضبط الامن في العاصمة العراقية بغداد واذا كنت تزور المناطق العراقية المحتلة بعد تحريرها وهو امر جيد فانك مطالب بزيارة المناطق المتضررة من جراء التفجيرات الارهابية في الكرادة.. نامل ان نراك في الكرادة مثلما نراك بقوة في جبهات القتال.
ان وجودك في مكان التفجير عامل طمأنة للناس وشعور بالتعاطف مع الجرحى وتأس مع عوائل الشهداء الابرياء وهو عامل من اهم عوامل التحدي السياسي والامني لقوى الشر والارهاب الاقليمي في الساحة العراقية واعتقد ان زيارة المسؤول الاول للداخلية في بلد كالعراق سيعطي دفعا للعملية السياسية وهو ما يجري في الساحة المصرية اذ ما من تفجير مهم يستهدف الناس في القاهرة الا وتجد وزير الداخلية على راس قوة من الشرطة المحلية في مكان التفجير.
مرة اخرى اقول ان اي استهداف بالنار والسيفور للناس له اسباب سياسية يجب ان تبحث ويفتش عن الفاعلين وليس الذهاب باتجاه داعش ولو استمرت تلك «الحالة الاعلامية» في بياناتنا العسكرية والامنية فان الناس ستعتبر المسالة تبريرا وليس تاويلا حقيقيا لحوادث التفجير الجارية في البلاد.
ان منظر التفجير كان مهولاً وربما استهدف التفجير الارهابي هذا المعنى.. ايقاع الخسائر الكبيرة واظهار المكان وقد تحول الى اشلاء في المكان في محاولة لكسر الصورة الامنية التي تقدمها الحكومة العراقية ووسائل الاعلام العراقية عن المسالة الامنية بعد كل انتصار تحققه القوى العراقية العسكرية من جيش وحشد ومقاومة على داعش.
ان المــــشاهد المكسورة لداعش في التلفزيونات الاجنبية والعراقية تحولت الى صورة ثابتة متداولة وقد اضحت في الكثير من الاحيان الى مادة للتندر والسخرية في وسائل الاعلام العراقية ومن هنا يعتقد خبراء امنيون ومحللون سياسيون وانا منهم ان التفجير استهدف المعنى التهويلي الاعلامي وان كان يعتبر قتل العراقيين واحدا من ثوابت عمليات التفجير الارهابية في العراق.
حذاري من اعتبار التفجير الاخير مسالة داعشية عادية او حكاية امنية لاتنتهي بل العمل والتفتيش في المفردات السياسية والبحث عن الفاعل الاول الذي ربما يكون واحدا من السياسيين وليس واحدا من الارهابيين!.