الحشد الشعبي: الوطن والمواطنة

  حسين الساعدي 
 
شكلت مرحلة سقوط النظام البعثي في العراق على يد الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها منعطف مهم في تاريخ العراق المعاصر. فكان لهذا السقوط تداعياته على الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي العراقي خاصة والاقليمي عامة. والذي رسم خارطة سياسية جديدة للمنطقة عقبة سقوط النظام, ومن هذه التداعيات ظهور الكثير من القوى السياسية والاجتماعية على الساحة السياسية والمتنوعة في توجهاتها ومنطلقاتها الفكرية والايديولوجية والطائفية والقومية مما جعل الساحة السياسية حلبة صراع تتنازع فيها هذه القوى للحصول على المنافع الشخصية والفئوية وتقوقعها على ذاتها وقفزها على مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية مما شكل ذلك فجوة واسعة اخترقتها القوى الاقليمية واستطاعت ان تتغلغل في كل زوايا الشأن العراقي من خلال اهتزاز قيم الوطنية والمواطنة لهذه القوى مما انعكس سلبا على المنظومة القيمية للمجتمع العراقي وعلى حساب الهوية الوطنية فأحدثت اشكالية في مفاهيم الوطن والوطنية والمواطنة. نحن نعرف ان مفهوم المواطنة يشير الى منظومة من الحقوق الدستورية يتمتع بها الفرد مقابل ولائه لوطنه. لكن الملاحظ ان هذه الاشكالية كانت نتيجة منطقية لما احدثته القوى السياسية من شرخ في المنظومة القيمية في بنية المجتمع العراقي انعكست على الفرد العراقي. 
ان فكرة الوطن والمواطنة ليست ناضجة في بلدنا الجريح, ويعود ذلك الى عدة اسباب , وهذه الاسباب ليس وليدة الحاضر وانما هي تركة من النظام السابق الذي احدث بسياساته الطائشة والحصار الاقتصادي وحروبه العبثية عملية قتل لروح المواطنة والوطنية, وقد عززت هذه التركة الانقسام المجتمعي بعد  9/نيسان/2003بسبب التجاذبات السياسية للقوى السياسية من خلال تأجيج المشاعر الطائفية والقومية والاثنية وتغليبها على المصلحة الوطنية للبلاد . وانقياد جماهير المجتمع لهذه التجاذبات وجعلها الاداة التي من خلالها تحقيق اهدافها الضيقة في صراعها من اجل السلطة والذي ساعد على ذلك عدة اسباب ومن هذه الاسباب:
ــ ارتباط اغلب القوى السياسية بالخارج وتبعيتها لصانع القرار الدولي والاقليمي من اجل مصالحها الفئوية الضيقة مما جعلها رهينة لهذه القوى.
ــ تنمية الرابطة الدينية عند الفرد واعطائها الاولوية على حساب الروح الوطنية.
ــ عدم وجود التوزيع العادل للثروة الوطنية وهذا من مخلفات النظام السابق. 
ــ مطالبات الاقليات بحقوقها نتيجة صراع المكونات الرئيسية في المجتمع, فأرادت هذه الاقليات ان تنأى بنفسها من هذا الصراع والمحافظة على هويتها الدينية والقومية بمعزل عن الهوية الوطنية.
ــ التلاعب بالأنظمة الدستورية من قبل الكتل السياسية النافذة في الساحة السياسية. والانقلاب على التجربة الديمقراطية الحديثة في العراق وايجاد ما اطلق عليه بـ(الديمقراطية التوافقية) التي تحولت الى (دكتاتورية الكتل السياسية الفاعلة في العملية السياسية).
ــ عدم وجود القاعدة الوطنية التي ترسم مفهوم الوطن والمواطنة.
ــ عدم وجود الاعلام التربوي والتعليمي الفاعل الذي يوصل مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية الى الفرد والمجتمع .
ــ تهميش الطبقة الثقافية في المجتمع وعدم اشراكها في صناعة القرار الوطني.
ــ تبعية منظمات المجتمع المدني للأحزاب والقوى السياسية وجعلها واجهة سياسية لها. 
اذن من الذي يعيد للمواطن روح المواطنة والوطنية التي تعتبر التجسيد الحي والعملي للمواطنة؟
 يقول عالم النفس السلوكي (كارل يونغ Carl Jung ـ 1875/1961) الذي يوضح ان الفرد عندما يتعرض لصدمة يفقد توازنه لفترة ما ومن ثم قد يستجيب لها بنوعين من الاستجابة الاولى هي النكوص الى الماضي لاستعادة التوازن والتمسك به بديلا عن واقعه المر فيصبح انطوائيا وهذه الاستجابة تسمى (استجابة سلبية ). واما الاستجابة الثانية هي قبول الصدمة والاعتراف بها ثم محاولة التغلب عليها فيكون في هذه الحالة انبساطيا وهذه الاستجابة تسمى (استجابة ايجابية) .
وفي ضوء التحديات التي تواجه العراق وتهدد وجوده وكيانه ومستقبله  من قبل قوى الشر والارهاب خاصة ونحن في هذه الايام نواجه اشرس هجمة ارهابية عرفها العراق منذ سقوط النظام والمتمثلة بالإرهاب الداعشي الذي يفتك بالعراق والعالم مما وضع العراق  امام تحدي هو اشد خطورة من سابقه ومن اجل مواجهة هذا التهديد اصدرت المرجعية الدينية في النجف الاشرف والمتمثلة بسماحة آية الله العظمى السيد السيستاني (دام الله ظله)فتوى الجهاد الكفائي بعد ان استشعرت مدى الخطر الذي يشكله تنظيم داعش الارهابي على وحدة العراق ونسيجه الاجتماعي فما كان من الجماهير العراقية المؤمنة الا ان تهب وتستجمع كل قواها في (حشد شعبي مقدس) لغرض مواجهة هذا التحدي والتغلب عليه وهذه الحالة يسميها عالم النفس السلوكي (كارل يونغ)الاستجابة الايجابية (الانبساطية)لأنه ليس امام العراقيين الا خيارين لا ثالث لهما, اما الاستجابة الايجابية الواعية المستندة الى قاعدة ايمانية صلبة لا يمكن لها ان تلين تقف امام هذه التحديات وتواجه الظلم وتقدم التضحيات . او الاستجابة السلبية التي ترضخ للأمر الواقع وقبول داعش واجرامها. لقد اثبتت تجربة الحشد الشعبي بما لا يقبل الشك انها القوة القادرة على تحمل المسؤولية التاريخية في الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي ودرء الاخطار عن العراق بالرغم ما تعرضت اليه من حملات اعلامية عالمية ظالمة ارادت النيل من عزيمة المقاتلين وتشويه صورته المشرقة العقائدية في مواجهة المؤامرات والمخططات الرامية الى زج العراق في أتون الحرب الاهلية الطائفية التي تقوده الى تقسيمه الى دويلات متناحرة .
لقد كانت مفاهيم الوطن والمواطنة والوطنية امام تحديات خطيرة ارادت المشاحنات السياسية ان تعصف بالوجود العراقي ومصادرة روح المواطنة والوطنية . لقد جسد الحشد الشعبي اسمى معاني المواطنة والوطنية من خلال تلاحم كل القوى الشعبية الخيرة في العراق في وحدة الانتماء والولاء للوطن من قبل كل المكونات السكانية وعلى اختلاف تنوعاتها العرقية والدينية والمذهبية لان الانتماء للوطن هو مواطنة , والمواطنة اسمى درجات الوطنية . لقد ضم الحشد الشعبي بين جنباته كل تلاوين الطيف العراقي. فنلاحظ تجمع المسلم السني والشيعي مع المسيحي والأزيدي والصابئي, الكردي الى جنب العربي والتركماني والشبكي في خنادق القتال صفا واحدا لمواجهة الارهاب العالمي المتمثل بداعش.
ان الحشد الشعبي بما يمتلكه من الروح الوطنية الوثابة القادرة على الانتفاض بوجه الظلم , له القدرة على اعادة رسم الخارطة السياسية الجديدة المدعومة من القوى الخيرة الوطنية وتنظيفها من الشوائب العالقة بجسدها والتي ارادت بالعراق السوء . ان الحشد الشعبي الآن بأمس الحاجة الى تظافر كل الجهود الخيرة في دعمه من قبل منظمات المجتمع المدني والطبقة الثقافية الوطنية والى دعم حشد اعلامي وطني يعزز انتصاراته ويدعم افراده الذين ضحوا بالغالي والنفيس من اجل وحدة العراق وحمايته.