إبراهيم الشهابي
الذين لا يذكرون او لا يفهمون الماضى … محكوم عليهم بأن يعيشوه مرة أخرى .. «جورج سانتا يانا»، لكن المضحك في الأمر ان من قرأ التاريخ ومن لم يقرأه يقعون في مشكله انهم يقومون بتكراره، وغالباً من يذكرون التاريخ هم من يسعون العيش في آماله، أما من يفهمون التاريخ يسعون لتجنب اخطائه، ومن لم يقرأه بات على هامش الدنيا معصوب العينين يرى ويندهش للمرة الأول، وبعيداً عن الفكره الحقيقية فإن البشرية لم تفكر ابداً بمنطق المستقبل، فالانسان بطبيعته تجريبى حتى أن معظم الإنجازات العلمية جاءت تجريبيه وتطبيقية، وهنا يكمن منطق التاريخ.
فالتاريخ هو حدث قام به انسان على ارض ما، فسجله الناس فبات ذكرى، وبين الوقائع اليومية والاحداث الكبرى هناك أمم تعيش التجارب وتستلهم الحكمه، وأخرى لم تفهم التاريخ ولم تدرك الجغرافيا فخرجت من التاريخ مفككه الى اشياع.
التاريخ لا يعيد نفسه، اننا فقط لم ندرك أنه مرتبط أكثر بالثوابت وليس بالمتغيرات، التاريخ مرتبط بالجغرافيا والديموغرافيا، فالجغرافيا هي الممرات والصخور والوديان والمضائق ومساحات الحرب القديمة اما الديموغرافيا فهى توزيع السكان والمرتبط بطرق حياة البشر وجهودهم ونشاطهم على الخريطة … قد يحدث تغيير في سلوك البشر او متغير فى النظام الاجتماعى لأمة ما، لكن سريعاً ما تفرض الجغرافيا التي تربى الانسان داخلها وجهة نظرها على الجميع، فلا فرنسا توقفت بعد الثورة عن حروبها الخارجية التي كانت في عهد الملكية من اجل السيطرة على حوض البحر المتوسط، ولا ألمانيا الحاضرة يغيب عنها ضرورة مد نفوذها داخل البيت الاوروبى حتى تأمين حدود جبال الألب ولا ايران ستتوقف عن حلمها بالعوده الى المحيط الهندى والسيطرة على مضيقى هرمز وباب المندب ولا مصر ستتخلى عن التحكم في باب المندب ومضيق جبل طارق وهرمز وصولا الى سواحل الهند. هنا يكمن منطق الجغرافيا التي لعبت طوال التاريخ عامل الحسم أمام المجتمعات بالرغم من تغير الاحداث والانماط التاريخية للحكم.
التاريخ يعيد نفسه تارة بصورة ساخره وتارة أخرى بصوره ساحرة، وبين الساخر والساحر هناك من يعيشون من اجل إعادة انتاج اللحظة التي مضت، وكثيرون يؤمنون بتكرار الأحداث ويسعون لإثبات فرضية دورة التاريخ المتكررة، لكن هؤلاء لم يفهموا أن التجارب البشرية غير قابلة للتكرار، فلكل لحظة معادلاتها وحساباتها ورجالها وافكارها. الانسان بطبيعته يميل لما يعرفه وجربه في السابق، ويخشى المخاطرة الى الجديد الذى لا يعرفه، وتلك ربما هي الأسباب لما نظنه إعادة انتاج الاحداث، وكأننا نعيش في مسلسل يعيد نفس القصة بأبطال مختلفين.
فلسفة التاريخ هي الحكمة التي نستلهمها من التجارب، لنعيد استخدمها في نفس الجغرافيا، والجغرافيا تفرض علينا دائماً أن نسلك نفس الطرق على الخريطة، والخريطة هي مكاننا من العالم، والعالم هو النتيجه الطبيعية لأحداث قام بها بشر سلكوا نفس الطرق والوديان مراراً وتكراراً عبر التاريخ.