حتى الرازي والخوارزمي والكندي والفارابي والبيروني وابن سيناء وابن الهيثم والكواكبي والمتنبي وبشار بن برد ولسان الدين الخطيب وابن الفارض والجاحظ والمجريطي والمعري وابن طفيل والطوسي وابن بطوطة وابن ماجد وابن خلدون وثابت بن قرة والتوحيدي لم يسلموا من تصنيفات التكفير والزندقة. وحتى الغزالي وابن رشد والعسقلاني والسهروردي وابن حيان والنووي وابن المقفع والطبري والفراهيدي لم يكونوا بمنأى من الحملات العدائية التي أخرجتهم من الملة.
لقد قتلوا الطبري، وصلبوا الحلاج، وحبسوا المعري، وسفكوا دم أبن حيان، وأجبروا ابن المنمر على العيش في المنفى، وأحرقوا كتب الغزالي وابن رشد والأصفهاني، وكفروا الفارابي والرازي وابن سيناء والكندي والغزالي، وقتلوا السهروردي، وقطعوا أوصال ابن المقفع، ثم طبخوها أمامه ليأكل منها قبل أن يلفظ أنفاسه بأبشع أنواع التعذيب، وذبحوا الجعد بن درهم، وعلقوا رأس (أحمد بن نصر) وداروا به في الأزقة، وخنقوا (لسان الدين بن الخطيب) وأحرقوا جثته، وكفروا (ابن الفارض) وطاردوه في كل مكان.
قالوا عن ابن سيناء في (إغاثة اللهفان 2/374): (انه إمام الملحدين الكافرين بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر). قال عنه الكشميري في (فيض الباري 1/166): (ابن سيناء الملحد الزنديق القرمطي)، وقال عنه الشيخ صالح الفوزان: (باطني من الباطنية، وفيلسوف ملحد)، وقالوا عن الرازي في (إغاثة اللهفان 2/179): (أنه من المجوس، وأنه ضال مضلل) فضربوه على رأسه بكتبه حتى فقد بصره.
وقالوا عن الفارابي في (شذرات الذهب 2/353): (كافر وزنديق)، وقالوا عن الخوارزمي: (أنه وإن كان علمه صحيحا إلا إن العلوم الشرعية مستغنية عنه وعن غيره)، وقالوا عن الجاحظ: (أنه سيئ المخبر، رديء الاعتقاد، تنسب إليه البدع والضلالات)، وقالوا عن ابن الهيثم: (أنه كان من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام، وكان سفيها زنديقا كأمثاله من الفلاسفة)، وقالوا عن المعري: (أنه من مشاهير الزنادقة، وفي شعره ما يدل على زندقته وانحلاله من الدين)، وقالوا عن نصير الدين الطوسي: (أنه نصير الشرك والكفر والإلحاد)، وقالوا عن ابن بطوطة: (أنه كان مشركا كذابا)، وقالوا عن الكندي: (أنه كان زنديقا ضالا)، ثم جردوه من ثيابه وجلدوه في العراء.
الاستنتاج الوحيد الذي يمكن أن نخرج به، هو أن تلك الدعوات التي استهدفت تكفير العلماء في الماضي والحاضر، هي التي تسببت في تخلف الأمة، وهي التي أسهمت في تكريس حالة الجهل والتخلف، وكبحت جماح حرية الفكر، وعادت بنا نحو كهوف العصور المظلمة. فلا فرق بين الأحكام التعسفية الجائرة التي أصدرتها محاكم التفتيش ضد علماء النهضة الأوربية، وبين الأحكام التكفيرية التي حرضت عامة الناس على قتل علماء العرب والمسلمين.
ربنا مسنا الضر وأنت أرحم الراحمين

التعليقات معطلة