نعيم عبد مهلهل

منذ أول الحصار الذي استمر على العراق لثلاثة عشر عام تقريبا ، تكونت على ناصية الرصيف المجاور لبناية روضة اطفال الناصرية وسياج دائرة النشاط المدرسي النواة الاولى لسوق يبيع المواد الغذائية ومعظمه الزائد من مواد البطاقة التموينية لدى بعض العوائل المتيسرة الحال أو الذين اضافوا اعدادا وهمية لأعداد عائلتهم في بيانات البطاقة فصاروا يستلمون غذاء اكثر من حاجة بطونهم. 
وهذا يعني أن الرجال الفضائيون كانوا في البطاقة التموينية منذ تسعينيات القرن الماضي وقبل ان يكونوا في الجيش العراقي والشرطة وبقية دوائر الدولة بعد 2003.  هذا السوق تحول بعد الاحتلال يبيع ذات المواد الغذائية ولكنها هذه المرة ليست مواد البطاقة التموينية لأن وزارة التجارة شحت جيوبها ولم توزع الغذاء بانتظام على الناس بل يبيع مواد غذائية تُجلب من قاعدة الأمام علي في أور والتي يتجحفل فيها الامريكان وكانت الأغذية وهو التعين اليومي للجنود الامريكيين او غذاء الأرزاق الطارئة المعلبة الذي كان في علب حديدية . وهكذا توشم هذا السوق بإحساس بطون المواطنين الى حاجة ما ومنها حليب الاطفال الذي كان اهم خامس مادة تباع في هذا السوق بعد الرز والطحين والدهن النباتي والسكر ، ثم تأتي بعده البقوليات والصوابين في الاهمية. ذات يوم كنت متواجدا قرب السوق حيث أمر بشكل يومي لأنه قريب من بيتي وسمعت احد البائعة يمسك علبة حليب زنة ثلاثة كيلو وهو ينادي : تعالوا اشربوا حليب اعمامكم النيوزلنديين.  اقتربت منه وكنت اعرفه لأنه من سكنة محلتنا وكان أحد خرجي كلية التربية ولم يتعين بعد وسألته : علي من جاء بالنيوزلنديين وكيف هم اعمامنا.؟ ضحك وقال : هذا حليب نيوزلندي ماركة انكورا ، واخي رافد يعيش لاجئا في نيوزلندا ، كتب لنا قبل فتر ة يقول :أن النيوزلنديين يعتقدون أن اصولهم سومرية. ضحكت وتذكرت يوم كنت معلما في قرية من الاهوار عندما اخبرونا ان عالما نرويجيا اسمه ثيدور هايردال يصنع مركبا من القصب ويريد ان يبحر فيه من الاهوار الى بحر الشمال في اسكندنافيا ليثبت أن السومريين ربما وصلوا الى هناك. وقتها قال شغاتي عامل الخدمة في مدرستنا : اذن اجدادي من اهل السويد ولأجل هذا ابو أمي أسمه عويد.  ويوم احرق هايردال سفينته امام شواطئ عمان لان بوارج الدول العظمى في بحر العرب منعت وضايقت رحلته . حزن المعلمون في المدرسة ومعهم شغاتي ، وقلنا :كان لنا بعض الأمل لنثبت ان لنا أقرباء في اوسلو وستوكهولم وكوبنهاكن والعاصمة النيوزلندية ويلينغتون عندما اخبرنا احد معلمي مدرستنا انه قرأ مقالا في مجلة الهلال المصرية تقول أن الكهنة من سكان نيوزلندا الاصليين يقيمون شعائر دينية تشبه الشعائر الدينية السومرية وان وجوه آلهتهم المرسومة على جدران المعابد او المتخيلة في اساطيرهم تشبه الالهة السومرية. وقتها ضحكت وقلت الآن لدينا عشتارتين واحدة تسكن مدينة أور وأخرى تسكن نيوزلندا. الاعتقاد ذاته اكدته لي الشاعرة العراقية نجاة عبد الله التي سكنت نيوزلندا عندما كانت لاجئة هناك ولسنوات . وهكذا تكون مناداة علي بائع المواد الغذائية من اجل شراء حليب اعمامنا النيوزلنديين حقيقة وليست خيال. واليوم كلما ارى اعلانا لتسويق حليب الانكورا النيوزلندي اتذكر مدرستنا ونقاشات الاصول الأنثروبولوجية لمعدان قريتنا وكيف كان يتمنى شغاتي السفر الى مدينة القرنة ومقابلة العالم النرويجي هايردال ليقول لي: مادام اجدادي يسكنون النرويج والسويد ونيوزلندا خذني معكم لأزورهم .

التعليقات معطلة