التحليل السياسي / علي الدراجي
قبل الخوض في مسارات تقسيم المنطقة والشرق الأوسط عبر بوابة المشروع الامريكي، لا بد أن نتأمل جيداً فيما قاله السيد حسن نصر الله في إحدى خطاباته عندما حدد ملامح وصورة مشروع التقسيم بالقول «الأمل الوحيد لسيطرة أمريكا على المنقطة لعقود ولأجيال هو ضرب الأمة في مسأله الشيعة والسنة، ولا يوجد تهديد آخر وهو اخطر تهديد»، هذا الكلام الذي أصبح نظرية سياسية مبنية على أسس علمية وجغرافية واجتماعية، يتجسد الآن على واقع الأرض، فعلاً وعدوانا ودماراً وتقسيماً، ولكن بأبشع صورة لمخطط ينفذ بالدم الإسلامي وبالمال الإسلامي وبالإرادة الاسلامية.
نظرة على ما يجري على حدود لبنان وفي سوريا والعراق واليمن ومصر وليبيا، نجد أن نجاح الولايات المتحدة الامريكية والكيان الصهيوني في زرع بؤر التكفير والأفكار المتطرفة وتنميتها ودعمها مادياً ومعنوياً يأتي بالتزامن مع توفير كل مستلزمات الدعم اللوجستي لتنظيم «داعش» من قبل واشنطن وتل أبيب.
إن ما تسرب من معلومات من مصادر سياسية في قمة (مجموعة السبع) التي عقدت في ألمانيا وحضرها رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، اكدت لـ»المستقبل العراقي» ان إعادة تقسيم الشرق الاوسط وفق حدود جديدة ليس مجرد تكهنات بل هو مشروع ناضج.
وراحت هذه المصادر الى ابعد من ذلك، في رؤيتها المقرونة بمعطيات ما دار في قمة الدول السبع من أن بقاء «داعش» مرهون بمصالح اللاعبين الاقليميين وترتيب أولوياتهم.
إن تفكير الولايات المتحدة الامريكية وحلفائها في ايجاد «هيكلية امنية جديدة» داخل حدود الشرق الاوسط يعطي صورة واضحة عن ضبابية تعامل واشنطن وعواصم التحالف الدولي في الجانب العسكري مع تنظيم «داعش»، سواء باستخدام الضربات الجوية، التي ما زالت محدودة التأثير وتخضع لرؤية سياسية تحركها من قواعدها مرة وتعيدها إليها تارة أخرى، اضافة الى الدور «المقيد» للخبراء العسكريين الامريكييين في قاعدة عين الأسد الذي اتضح جلياً في كارثة الانسحاب من الرمادي وتسليمها للدواعش تحت مرأى ومسمع هؤلاء الخبراء العسكريين، وما يؤكد ذلك «تأخير» تحرير مناطق الرمادي وتغيير موعد انطلاق عملية التحرير أكثر من مرة، هذا ما يجري في العراق على الرغم من وجود عشرات الآلاف من مقاتلي الحشد الشعبي والقوات الأمنية من الجيش والشرطة متمركزة في مواقعها بانتظار ساعة الصفر.
في سوريا الصورة تختلف نوعاً ما، فبعد سيطرة تنظيم «داعش» الإجرامي على مدينة تدمر واستنزاف قدرات الجيش السوري في الحسكة والرقة وتمدد التنظيم الارهابي على مساحات واسعة من الاراضي السورية، وحيث تتمركز المعارك وتشتد في منطقة الزبداني القريبة من العاصمة دمشق التي تعرضت لوابل من قذائف الهاون طالت عدد من احيائها، مما يعطي صورة واضحة عن محاولة الولايات المتحدة فرض حالة «الواقع الميداني» على الرئيس بشار الاسد وجيشه الذي ما زال يقاوم رغم الاستنزاف اليومي لقدراته البشرية والعسكريةعلى مدى خمس سنوات خلت.
ان ما تريده واشنطن هو إضعاف نظام بشار الاسد وإجباره على قبول واقع (التقسيم العسكري) المرسومة خارطته فعلياً على ميدان المعارك في الغرب والشرق والجنوب والشمال.
ان تركيا، وحسب معلومات استخبارية تسربت من قمة الدول السبع، ترى في تنظيم «داعش» المدافع الاول عن مصالح (السنة) ضد ايران، وما يعضد هذه المعلومات ما يجري في اليمن والعدوان الظالم الذي حشدت له السعودية وبعض الحلفاء وبمباركة امريكية وقبول اسرائيلي وصمت دولي، هذا العدوان الذي طال البنى التحتية لليمن واستهدف قدرات انصار الله وقوات الجيش اليمني ومعداته العسكرية وترسانة اسلحته مما وفر مساحة كبيرة من التحرك بحرية لتنظيمي «القاعدة» و»داعش» واعادة ترتيب اوراقهما في المدن اليمنية مع وجود توجه بتسليم المبادرة ودفة القيادة بيد عناصر داعش لاعتبارات سياسية تتناغم مع توجهات (تركيا السنية) والاهداف السعودية من العدوان وايمان الدولتين بان «داعش» هو المدافع عن مصالح السنة في المنطقة ومحاولة تحجيم النفوذ الايراني المتنامي بشكل طردي مع نجاح مفاوضات الاتفاق النووي بين طهران ودول الـ 5+1.
هناك (صفقة) طرحت في قمة (الدول السبع) تتعلق بسوريا تتمثل بابعاد الرئيس السوري وهذا جزء من مخطط التقسيم الذي يعطي اولوية للتفاوض مع بشار الاسد قبل الشروع بهذه الصفقة.
ان مشروع تقسيم المنطقة ينظر الى العراق على انه دولة مصطنعة على وفق سايكس بيكو وتداعيات الحرب العالمية الاولى وان ما يجري في العراق هو معارك بين المجتمعين السني والشيعي فضلا عن وجود الاقليات وبالتالي وبحسب مشروع التقسيم الامريكي فان هذه المجتمعات لا يمكنها ان تعيش تحت مظلة واحدة.
قمة الدول السبع برؤسائها وضيوفها عبرت عن خيبة املها بما يسمى بـ(المعارضة المعتدلة) في سوريا التي لم تجد هويتها في ظل تنامي قدرات الجماعات الارهابية المسلحة «جبهة النصرة»، وتنظيم «داعش»، و»جيش الفتح»، ومنظمات اخرى دخلت على خط المواجهة بدعم تركي سعودي قطري.
مراقبون سياسيون وجهات استخبارية صاحبة قرار ترى ان الطريقة الافضل في سوريا هي في توقف القتال وان تكون هناك عملية سلام حقيقية وان كان ذلك غير واقعي في الوقت الراهن لكنها رؤية تندرج في المخطط التقسيمي الذي بالرغم من ايمان اللاعبين الاساسيين في المنطقة بان صورة داعش تزداد وحشية وتتزايد اعداد اللاجئين مع ازدياد ضحايا اجرامية التنظيم الارهابي من المدنيين العزل (شهداء وجرحى) على امتداد مساحات سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر.
يتبع..