Pdf copy 1

     التحليل السياسي /غانم عريبي
واخيراً وقعت إيران والدول الكبرى اتفاقاً نهائياً حول البرنامج النووي الإيراني.
ما ترشح عن الكلمات الاخيرة التي ادلى بها وزير الخارجية محمد جواد ظريف ان ايران ملتزمة بالاتفاق وانها ستتعاون مع الاليات الدولية طبقا لماورد في الاتفاق وستكون في حل منه اذا لم تف الدول اكبرى بتعهداتها ومنها واهمها رفع الحصار الاقتصادي عن ايران.
من الان وصاعدا سيكون على الولايات المتحدة الامريكية النظر لايران كشريك في بناء الحياة الدولية، وليس خصم وتلك من السنن التي درجت عليها عمليات التطبيع السياسي في الحياة الدولية والتخلف عن تلك القاعدة يعني التخلي عن واحد من اهم نصوص الاتفاق المبرم بين ايران وواشنطن.
الايرانيون بدورهم اثبتوا للعالم انهم صبورون ومن اجل شعبهم يتحملون كل الاعباء الدولية السياسية والاقتصادية لتحقيق اهداف الاستقلال الحقيقي الناجز وقد دلت التجربة التي استمرت اكثر من 13 عاما من المباحثات الماراثونية بين ايران والدول الخمسة زائد واحد انها تحترم ارادة شعبها ودولة قوية تفرض نفسها ونظريتها في الصراع مع اهم دولة في العام كالولايات المتحدة الامريكية ولن تسكت على ضيم وغير مستعدة ابدا التفاهم على حساب المصالح القومية والوطنية الايرانية.
المهم في الاتفاق الاعتراف بسلمية البرنامج النووي الايراني عكس «الصيحة الاسرائيلية» التي كانت تشوش وتشوه المسالة النووية الايرانية انها مسالة نووية تهدد الامن الدولي وفي الحقيقة ان ايران اكدت انها دولة وليست كيانا كاسرائيل ومشروع امة رادعة بالعقيدة السياسية التي تحملها فضلا عن البرنامج النووي الذي استطاعت فيه ان تنتشل قدرتها على الافادة من الطاقة من اجل المنافع الاقتصادية وعناصر الطاقة الانتاجية الاخرى وهي رسالة للعالم كله وللدول الكبرى في العالم ان ايران تنهض بمسؤولية بناء دولة عظمى الى جانب الدول الكبرى في العالم.
ان العقيدة السياسية التي بناها الامام الخميني في النفس الايرانية عززت نفوذ الدولة الايرانية ومكانتها في المجتمع الدولي لهذا كان الاعتراف الدولي كبيرا ولافتا بالبرنامج النووي الايراني ومنذ اللحظة التي تم الاتفاق فيها عادت الامة الايرانية الى ثوابت الامام الخميني القائد الذي يتحرك على خط الممانعة والقوة وحماية التجربة.
حمى الامام الخميني بعد وفاته تلك التجربة الاسلامية وحمى برنامجها النووي بالعقيدة السياسية والصبر والتحمل والاهم الحضور الابدي الدائم للفكر الثوري الذي يحرك الدولة والثورة والروح الوطنية الايرانية.ربما كانت الولايات المتحدة تبحث عن شريك نووي في المنطقة العربية عاقل وغير تفريطي بمقدرات شعبه ومقدرات الامة العربية والجارات المسلمة في البيئة الاسلامية مثل ايران من اجل ان يكون هنالك معادلة نووية ترد اسرائيل وتجبرها في المرحلة القادمة من تاريخ الصراع والسلام مع العرب والفلسطينيين القبول بالسلام على اساس حل الدولتين والانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967 ووضع القدس في ترتيبات الوضع النهائي.
لقد حققت ايران نصرا تاريخيا حين اجبرت القوى الكبرى والولايات المتحدة الامريكية الجلوس على طاولة التفاوض وقبولها عضوا في النادي النووي الدولي ولولا صبرها الطويل واستخدامها عامل الردع النووي واظهارها قدرة هائلة على مجارات التحدي الاقتصادي والتسليحي والامني والسياسي طيلة اكثر من 13 عاما لما امكن اية دولة في العالم البقاء دولة ولانهارت وقبلت بالشروط الامريكية شريطة فك الحصار والاقتراب من الاسعار الطموحة لبيع النفط في الاسواق العالمية لتسيير مشاريع التنمية التي اهتزت خلال فترة الحصار الاقتصادي على طهران. هنا اقول ان طهران تقف اليوم على قمة من القمم الدولية بفضل انتصار ارادتها السياسية على ارادة العزوف عن الحوار مع واشنطن وربما كان كلام الرئيس الايراني حسن روحاني قريبا من الواقعية السياسية حين قال ان التعاون والمصداقية والقبول بمبدا الحوار البناء لا حوار انتهاز الفرص كان الطريق الذي سار بنا والقوى الكبرى لتحقيق هدف ابرام الاتفاق.
من الان وصاعدا سيكون هنالك مصطلح جديد سيتحرك في سباق البرامج النووية في العالم هو «التشيع النووي» فقد اثبت التشيع كمذهب وايران كدولة اسلامية امكانية كبيرة في تاسيس برنامج نووي سلمي قادر على بناء اسس الدولة الوطنية الحديثة وضمان تلبية احتياجات طهران من الطاقة النووية السلمية.الفكرة ان التشيع كمذهب للدولة لن يشيع الخوف في نفوس ابناء المنطقة العربية والاسلامية لان الدولة اسلامية والقيادة تربطها علاقات روحية وعقدية وانسانية وحسن جوار مع المنطقة العربية وشعوبها والكثير من انظمتها السياسية عكس اسرائيل التي تشيع التلمودية فيها اجواء الشراسة والقتل والموت الشامل منذ ان انبت دويلة اسرائيل وظهرت الى الوجود في وثائق هرتزل عام 1897 ووعد بلفور وقيامها الواقعي عام 1948.
في اعتقادي ان الحوار الجدي بين واشنطن وطهران قد بدا فعليا بالتوقيع على الاتفاق النووي في فيينا وسيشهد العالم قيام علاقات واضحة وعميقة بين الدولتين شريطة ان يقف الرئيس الامريكي القادم بعد اوباما موقف اوباما الحالي من دعوات المقاطعة والكراهية والعرقلة التي تنطلق من داخل الكونكرس ضد الاتفاق « الاكثرية الجمهورية صهيونية». اذا اراد العرب الافادة من معطيات الحوار الامريكي الايراني والاتفاق الذي جرى في النمسا فعليهم معرفة الطريق التي تؤدي الى صياغة تفاهمات جديدة مع طهران وقيام علاقات واضحة وعميقة معها شبيهة بالعلاقات التي ستنبني بين واشنطن وطهران وعليهم ان يدركوا ان واشنطن ادركت اخيرا ضرورة التحاور مع طهران والجلوس على مائدة مشتركة معها لتصفية خلاف تاريخي استمر اكثر من 34 عاما اثر انتصار الثورة وسقوط الشاه في 11 شباط عام 1978 مايعني انهم يجب ان يجلسوا مع ايران ويتفاوضوا معها ويتركوا هتافات القومية العربية والكراهية الفارسية العربية لان ايران تقف الى جانب الحقوق العربية الحقيقية التي اهدرتها تلك الانظمة المريضة!.
قبل اكثر من 25 عاما كنت في طهران احضر ندوة اقامتها وزارة الخارجية الايرانية عن المسالة الفلسطينية وكان معنا المرحوم هاني الفكيكي القيادي في المعارضة العراقية وكان مقيما في لندن لكنه التقى مجموعة من القيادات الايرانية وتحاور معها حول دعم المعارضة العراقية التي كانت تقاتل ايمذاك نظام صدام  وحدثني الرجل اثر لقائه سفير ايران في البحرين عن انطباعاته الايرانية فقال لي فوجئت بالسفير وايران ايامذاك تقاتل صدام حسين على جبهة طولها 1400 كيلومتر ان ايران «سوبر اور» اي انها قوة عظمى وسيرى العالم كله قدرة طهران على مغالبة الحرب والانتصار فيها وان نفاجأ العالم بقدرتنا على ادراك ما لايمكن ادراكه الا في السلم لكننا سنوخض التحدي وننزل الى الساحة النووية!.
وحين استفسرت من المرحوم الفكيكي عما يقصده السفير الايراني في البحرين قال لي ان البرنامج النووي الايراني موجود منذ زمن الشاه لكن معايير العلاقة به اختلفت بعد انتصار الثورة ففي الوقت الذي كان فيه الشاه يشتغل على النووي الذي «يخصي» فيه العرب اشتغلت طهران بعد انتصار الثورة على وضع النووي بخدمة العرب والعروبة وفلسطين ايمانا منها ان عمقها العروبي هو الاهم من اية حاضنة او علاقات مهمة مع الدول الكبرى لكن المشكلة ان العرب حاربوا الثورة وامدوا صدام حسين بالسلاح وتركوا فرصة اللقاء بها على امل بناء نظام امني اقليمي يحفظها ويحفظ طهران. ايران عبرت ازمة عاشتها بكل مستوياتها السياسية والاقتصادية وتاثيراتها المهولة على البنية المجتمعية الايرانية ولن تعود اليها لابسبب رغبتها السياسية بتوقيع الاتفاق مع الدول الكبرى وامريكا بل لرغبة الاميركان الاستمرار بالاتفاق والتعويل على طهران باستقرار دولي بعد الاتفاق لان ايران كما بدا لواشنطن تحترم التزاماتها اذا وقعت وتصون تعهداتها اذا وعدت.

التعليقات معطلة