علاء جاسب
بصمت ادخل شارع المتنبي او شارع الثقافة كما يشاع , كالرجل الخفي في قصة ويلز , اقلب الكتب , هوسي بكل قديم لا يخفت , اسمع لشعر يلقيه شاعر مغمور , معنى قصيدته يعادل دواوين لمشاهير منافقين , تداعب مسامعي محاولات غنائية لرجل عبر مرحلة الحياة يكرم المارة بأغاني لزمن اخبرونا انه جميل يقف امام مكتبة عدنان , اجلس في مقهى الشابندر بين كراسي الثرثرة و النميمة الثقافية و اشرب شايا اشك في ان يوازن غفوتي الفكرية , يعجبني جدا ان اصعد الدرج الذي يؤدي الى قاعة المدى ليس من اجل الكتب الغالية الثمن التي يبيعها و لا من اجل الندوات الثقافية التي لا اعرف كيف يمنهجها بل كي اطالع صور الابيض و الاسود لشخصيات العراق المشهورة في الفن و السياسة التي تزين السلم كلما صعدت و كلما هبطت!!, ربما انه الحنين في منطقة اللاشعور هو من يوسوس لي ماذا لو ولدت قبل مولدك بأربعين سنة ؟ من يدري ربما لكنت ندمت اكثر ان اكتشفت ان ذاك الزمن كهذا … لا فرق … لذلك تشبعني الصور بابيض و اسود اصبغ به وهم الصورة لعل ال(لو) تحل بديلا انيقا و مخدرا عظيما لمحبطات الامال,,,,, و خلسة من بين فوضى الهواجس هذه لملمت ما اشتريته من كتب قديمة و اعداد كثيرة لمجلة ( المستقبل العربي ) مجلتي المفضلة التي تختصر لي مسافة المعلومات .
في السيارة لعنت مذيع الاخبار الاذاعية و هو يذكرني بصورة الطفل ( ايلان الكردي ) الذي جعلني افقد الكثير من مخزوناتي الاحتياطية من الدموع لبكاء العراق في كل ليلة ( الله يسامح المذيع ) هذا الذي يبيع علينا احزاننا لا يدري ان الدمعة هي العملة النقدية الجديدة في تعاملات سوق الوطن و تجارة الضمير و علينا ان نكون اكثر اقتصادا في زمن الالام و ارتفاع مؤشر بورصة الاحزان … هذا المذيع لا يقدر قيمة الدمعة و لا يعرف ان الدموع حلت رجلا بدل تلك التي هزمت على شواطئ اوربا في حملات المهاجرين الذين هربوا من ضياع الوطن و لماذا لا يهربوا ؟ فرجل العرب بعد الالفينات لا يجيد حل مشاكله سوى بالهرب!! مسكين يا ( ايلان ) بكاك العالم بعد ان قتلك العالم نفسه , يكذب المذيع كعادة كل السياسيين ان العالم قد بكى !! و هل يبكي من لايملك عيون !! من لا يملك عين البصيرة الانسانية !! يالوقاحة البشر!!
وصلت الى البيت , معدتي تصرخ , و الريجيم حاكم ظالم , شربت الكثير من الماء لعله بحر و لم اكن اعلم , ظننت انها حرارة الصيف التي عبرت ال 47 مئوي في الخارج , لكني اذكر اني بقيت اشرب و اشرب , غريب جدا , شرودي بنار الحرائق العراقية استهلك مني التار من الماء ومع ذلك لم تنطفئ في صدري لانها لا تحتاج الى ماء بل الى نار!! فالنار لا يطفئها الا النار.فتحت اللاب توب كي اكتب في مذكراتي الشخصية ما تمليه عليه انطباعاتي بعد دروس يوم حافل بالتفاهات , لكن ما كتبته هذه المرة بعد زيارتي الاخيرة لشارع المتنبي جعلتني اكتب ما يلي:
الثقافة هي ليست أن تقرأ او تجلس في نوادي تصدع رأسك تحت مسميات ثقافية و اختراعات ادبية و صالونات شعرية و لا ان تعرف عن كل شئ او تترقب معرفة شئ كما انها لا تأتي بالعدوى ممن نتباهى بانهم رفاق الثقافة
الثقافة … ليس ان تكون كالببغاء تردد كل ما كتبه لنا من اراد ان يقرر مصيرنا كما يشاء قبل مئات السنين ..الثقافة هي ان تكون انسان و هذه الثقافة ليست حكرا على من يقرأ بل ان الذي يقرأ يزيدها نباهة لتسلك الطريق الى الذات …
ثقافة الانسانية هي سر الله الذي لم يكتشفه بعد سوى الانسان الذي جعل نور الحق كتابه الذي لا يمل من قراءته كما ينهل منه تفاصيل المحبة المطرزة في عمق الوجدان.