التحليل السياسي /غانم عريبي
 
قدر لي قبل 30 عاما من الان ان اكون في الاعلام الخاص بالحرب العراقية الايرانية من موقع المعارضة العراقية وقد عشت جانباً مهماً من فصول تلك الحرب وسيبقى الاستوديو العربي رقم «1» الشاهد الاخير على الصوت العراقي وهو يتدفق عبر الاثير الى تراب الجبهة مخاطبا المجاهدين العراقيين واهلنا في الداخل.
في الحرب برز «الحشد الشعبي» الايراني رقماً مهماً في معادلة تلك الحرب وحين تتفحص الوجوه التي تاتيك من كافة المدن الايرانية ترى ابن الريف وابن المدينة الشاب اليافع وخريج الجامعة والكهل الكبير وهم يرتدون الخاكي ويتدربون على خوض المعارك واقتحام المتاريس مستبشرين بما اتاهم الله من فضله وينتظرون ساعة التحرك على جبهات القتال في عبادان وسوسنكرد وجبهة كيلان غرب!.
لم يكن في الضمير الثوري والوطني والاسلامي لهؤلاء الفتية الا شيئان: الذود والدفاع عن تراب الجمهورية والنظام الاسلامي الذي يقاتل الولايات المتحدة الامريكية ومؤامرات حزب «توده» الايراني المرتبط بالاتحاد السوفياتي السابق والانسجام مع فتوى الامام الخميني فقيها ومرجعا وقائدا للثورة والدولة ونيل احدى الحسنيين النصر او الشهادة.
حقق «الحشد الشعبي» الايراني في الحرب من اهداف ومكاسب ووصل الى نقاط ستراتيجية في الحرب الطويلة مالم يحققه جيش نظامي او الجيش النظامي الايراني الذي سلم الراية للحرس الثوري وقوات «البسيج» اي الحشد الشعبي وربما اطلق الامام الخميني مقولته المشهورة بعد استشهاد فتى في الخامسة عشرة من العمر يدعى حسين فهميدة «ان حسين فهميدة هو قائدنا» في جبهات الحرب بعد ان رمى بنفسه تحت سرفة احدى الدبابات التابعة للحرس الجمهوري التابع للنظام العراقي السابق ليكون هذا التاكيد بداية عهد بطولي مع الحشد الشعبــــي ونهاية اسطورة الحرس الجمهوري الذي لايقهر اذ تقهقرت الدبابات التابعة للحرس وعادت الى مواقعها بعد ان رات فتــــى في سن يافعة يرمي نفسه تحت سرفة دبابة ويهشمها بما حـــمل في جسده من مادة التي ان تي.
ان اغلب الانجازات التي تحققت في الحرب العراقية الايرانية تحققت على يد الحشد الشعبي الايراني وهم ابناء المناطق المحرومة الذين عاشوا الثورة في زمن الشاه وعاشوا الدولة وهي تتعرض الى التامر العربي والاقليمي والدولي عليها وفشل في الوقت نفسه مايسمى «الجيش الشعبي» للبعث العفلقي في تحقيق تلك المكاسب لان العقيدة الروحية والسياسية التي يمتلكها الشعبي الايراني كانت تتحرك على سكة الله والاسلام والتعلق بالثورة الاسلامية ومكسب وجود دولة للاسلام والجيش الاخر كان يساق بالقوة الى جبهات القتال تحت الترهيب والوعيد وفرق الاعدامات المقيمة خلف المتاريس!.
اجزم ان الانتصار الذي حققته ايران في الحرب كان بفعل تضحيات الحشد الشعبي الايراني الذي تشكل بالمناسبة بنفس الفتوى التي تشكل بها الحشد الشعبي  العراقي اذ اعلن الامام الخميني عشية اختراق القوات التابعة للنظام البائد الحدود الايرانية بهدف اسقاط الدولة والثورة بداية الثمانينات من القرن الماضي فتواه الشهيرة بضرورة حمل السلاح والدفاع عن الثورة وبعد انتهاء الاعلان في الاعلام الايراني بدات الكتائب والوفود والحشود تتحرك على جبهات القتال بقرار امام الحشود!.
الدرس ان نظام الجمهورية الاسلامية والقيادة العسكرية في ايران لم تحل قوات «البسيج» اي الحشد الشعبي بعد نهاية الحرب بل تركته كما هو جيشا عقائديا جاهزا للدفاع عن الدولة والثورة في حال تعرضت للتهديد او الاختراق او استدعت الضرورة استدعاء هذا الحشد في مواجهة اية حالة طارئة او استثنائية.
لذلك نرى ان الدولة ونظام الثورة يستدعيان تلك القوات في الاحتفالات والمناسبات الوطنية والاسلامية العامة والخاصة خصوصا في صلاة الجمعة العبادية السياسية وهم بمئات الالاف من الشباب الجاهزين للقتال في اية لحظة وليس هذا وحسب بل يشارك هذا الحشد الشعبي بالمناورات العسكرية التي يقيمها الحرس الثوري والجيش الايراني في الخليج ايمانا من قبل الثورة والدولة ان هذا الجيش هو الركيزة الاساسية لحماية الثورة والقاعدة الشعبية الاولى لحماية الدولة.
من الخطأ الكبير تجاهل الدور العقدي والروحي والوطني الذي يلعبه الحشد الشعبي العراقي في جبهة القتال اليوم ومن الخطأ استثمار الحشد الشعبي في الصراعات السياسية.. كانت ايران في الثمانينات تفور بالتناقضات والصراعات السياسية بين الاجنحة الليبرالية والاسلامية لكن الامام والقيادات الثورية في الحرس الثوري ابعدت «الحشد الشعبي البسيج» عن هذه الصراعات ودوائر الخلاف وابقته جيشا فاعلا يؤدي دوره في حماية الثورة وعدوان القوى الكبرى من خلال النظام العراقي البائد.
الدرس هو في  ان نبعد «هيئة الحشد الشعبي» عن اية حالة حزبية او شخصية يمكن ان تستثمره لتاجيج خلاف او تصفية حساب سياسي او فئوي والاهم ان ياتي الى قيادة هذه الحالة الوطنية والاسلامية التي تاسست بناءا على فتوى قائد الامة الامام السيستاني رجال من سنخ التجربة والفتوى وروحية العمل بالثوابت الوطنية.

التعليقات معطلة