قراءةٌ في المجموعة الشعريةِ للشاعرة التونسية العامرية سعد الله

ماجد الربيعي

تونس الزيتون ، عروس المتوسط الخضراء المدللة تحلُّ ضفائرها مع نسيم البحرِ وتعطّرها بعبقِ البيادر والخصبِ ، استباحها الظلام وكادَ أن يقصّ ضفائرها ويطفئ نورها فكانت ثورة شعب لم يستسلم ولم يهدأ .

العامرية سعد الله ابنتها الحالمة بالنور تغني لها نشيد الحرية بعزفٍ شجيٍّ على أوتارِ الحروف فتراقصها حروفها وتزهو منتشيةً فهي ألحانٌ تحملها إلى شموس المجد والفخرِ ، فيها تحمل همومَ وطنٍ يئِنُّ ، وتبكي على إنسانٍ موجعٍ وجراحٍ لم تندمل بعد ، تحاكي وطناً بانتظارِ شمسٍ تشرق وبدرٍ لا يأفل .

النص الشعري الناضج هو ما يطلع من القلب ليصل إلى القلب بأقصرِ طريقٍ دون عناءٍ فيكون نسيجاً مترابطاً من الحروف وبرؤيةٍ تحاكي النفس الإنسانية بنبضٍ يضجُّ بالحياة بكلِّ تفاصيلها ، وهو خليط من انفعالات النفس وردودُ أفعالٍ لكل ما يدور حول الشاعر ليرسمهُ بمقدرته وإتقانه في استخدام أدواته في البناء الشعري ، وشاعرتنا العامرية جسّدَت رؤيتها المعرفية وسخّرَت أدواتها فكانت نصوصها ردة فعلٍ ، والفعلُ هو وجعُ وطن .

هكذا بدأت في أول نص من نصوص مجموعتها التي نحن بصددها ( نقر على أوتار الحروف ) ، لغةٌ سسلسلةٌ سهلةٌ غير متكلّفةٌ ، تنبعث حروفها من معاناةِ واقعٍ تعيشهُ ، الحزن ، الحب ، الفجيعة ، التفاؤل ، واليأس ، وهي الابنةُ البارةُ لما تمر ومرّت به بلادها تونس الخضراء من وجعٍ وثورةٍ وأملٍ وخيبةٍ أحياناً ، فتصنعُ من حروفها قلائدَ عشقٍ لتاريخٍ مشرقٍ ومجدٍ تفتخرُ به ، حيثُ تقولُ في قصيدةِ

( قرطاجه ) :

محــــــــــــرابُ الطهارةِ

والحضارةِ والبهـــــــــــاءِ…

أيّتها النّديّة، النّقية، الوفية…

يا مطمورَ النّـــــــــــــــــــورِ

و خوابـــئَ الأمـــلِ الكبيــــرِ

تخاطبُ عرائش أوتيكا بحروف تبعث على الأمل لمواسمِ خصبٍ آتيةٍ لتنثرَ أريجَها على بيادر القمحِ وعلى الذرى والنخل الباسق بنشيدٍ يشبهُ أغاني الحصاد في سومر الخير لينهل الإنسان القوت والحرية والشمس والأمل بنورٍ لا ينطفئ، فهي الحاملةُ وجعَ سنواتٍ عجاف أرهقت تونس وأخذت من فرحها الكثير :

يا عرائسَ أوتيكـــــــــــا

هُبّي مــــــع الغَـسَــــــــقِ

أزِيحـــِي رِداءَ اللُـيـــــــــــلِ

اِنْــبَــعِــــثِي مِنْ آخِرِ الأرْضِ

أنْثُـرِي عطرَك عَلى بـيادرِ القَمْــحِ

في بِلاَرِيجيا …

اُنثريـــــــــــــــــــــــــه على الـذّرَى

أوْقِـــدِي قَنَادِيلَ زَيْتِكِ

في حَضْـرَمَوْت …

بَدِّدِي وِحِشَـــةَ اللّيْلِ بِنُورِكِ..

أحْضِنِي نَخلَك الباسقَ

هكذا هي لغة الثورة ، ثورة الحروف في إيقاظِ تأريخٍ مشعٍّ بنورهِ ولن ينطمرَ أبداً ، فالأرضُ ولّادةٌ و ( تيليماك ) ما زال حاضراً ولن يستسلم لليأسِ ، الرحلةُ بدأَت والمراكبُ أشرعَت والنورُ لاحَ فلا ليلٌ ولا ضباب في طريقِ الثورةِ ولا شيخوخة في الأمل :

الآن تبـــدأ رحلتـُـــكَ

تُدغــدغُ شيـــخوخةَ أحلامِــــك

لتتناسلَ البداياتُ من رحمِ نهايتِــكَ

على منعطفِ الحُـلــــــــمِ

تَقْــتَـفــي أثر ” تيليماك “

البحرُ الذي ناداه يُناديكَ

يُغريك …

وهذي مراكبه تيمّمَتْ عرض البحر

ألقتْ شرائعها…

الآن تبدأ رحلتكَ

فلا اللّيلُ ليلٌ

ولا الطريقُ ضبابٌ

وهي الابنةُ الثائرةُ من شعبٍ أشعل فتيلَ الثورةِ في ملحمةٍ بطوليةٍ سحقت عرش الطاغي دون رجعةٍ ، فهو لم يجد في دمها شراباً يرويه ولا من قتلها بقاءً لهُ ، فالأرض حُبلى ترويها دماء أبنائها النجباء ،الأرض بقاءٌ أبدي منها يكون البعث وفيها ينهض الإنسان من جديد ليكون سعيراً في وجه الظلم ، فهي تقول في قصيدة

( إلى الطاغية ) :

مزّقْ إذا ما شئتَ،

كما شئتَ

فمن قطــــــــــــــراتِ دمـــــــــي

ستَــــرتــوي أرضـــيَ الحُبلـــى

لتُـــنبِــتَــني من عَدمٍ

مزّقْ أشلائي

فأرضي اليوم ستَرتُــقني

تُـشكّـلُني…

وتَبعثُني إليكَ من عدمِ

لأحجبَ عنك رُؤيـــــــــــــــــــــــــــاك

و أخنُقَك بما اِقترفتْ يُمنـــــــاك

وأرميك إلى مزبلةِ التّاريـــــــــــخ

الشاعر هو لسان أمةٍ وضميرُ شعبٍ وهو الصوتُ الذي ينشد ويغني ،الشاعر موقف وكلمة حق وصرخةٌ تهدر فترعب أعداء النور ، فكانت (أغنية النصر) ولا أسمّيها ( أغنية السراب ) حيث جاءت عذبة فَرِحَةٌ متفائلةٌ بحروفِها لتعلنَ عن راية النصر خفاقةٌ وهروب الطاغي دون رجعةٍ :

أزرقُ في لوْنِ المَدَى

كم أشتهيك زورقا

يُجَدّفُ بِي فَوْقَ السَّحَابِ

فَنَتَّحِدُ غَيْمَةً في السَّمَاء

كَمْ أرُومُ الاِغْتِسَالَ

مِن الزّمَان وَمِن الْمَكَانِ

كيْ أعيشَ خُرافَتِي

بَيْن الْحَقيقةِ والْخيَالِ

ثمَّ أحَرّكُ بَيَادِقيِ

يَا قَلْعَتِي لا تَتَمَنّعِي

هَلِكَ المَلِكُ

كِشْ

مات المَلكُ

وانهزم الإمامُ

****

سَكتَ الكلامُ عَن الكلامِ

لا مَفَرُّ من المفرِّ

هَلْ أشْرَبُ مَاء البَحْرِ

حتَّى أرْتَوِي؟

أمْ هلْ أعَانقُ الرّيحَ فراشةً

حتّى أطيَرمَعَ الْغَمَامِ؟

هي أنثى ترفعُ مشعلاً للحريةِ في ظلماتٍ كانت تناغي عروس البحرِ ليكون برزخاً يفصل بين الظلمات والنور ومسرحاً لأمنياتٍ تراقصُ لبداياتٍ جديدةٍ ، خطابٌ عذبٌ ملحمي بحروفٍ سهلةٍ وترجّي شفاف يشعركَ انك في عبابِ بحرٍ يوصلكَ إلى ضفةِ الأمان حيث الحريةِ فتقول :

وتَانِيتُ ترفعُ مشعلاً

في ظُلُماتِ المستحيلِ

هلُمّي إليّ يا عروسَ البحر

كوني في دُجــى الظلماتِ

بَرْزَخًا و يقينًا

مسرحا ترقصُ فيه الأماني

مِخْمَلِيَّةً

*********

تُخصبُ أنثى الغرام

تحضنُ منّي الحنين

يعصفُ الإعصارُ شوقا

لبداياتٍ جديدةٍ

تَانيتُ … يا تَانِيتَ

يا وجعَ الكتابةِ

يا أنثى السّرابِ

اِغسليني من تَباريح الوجلِ

اِملئيني بالحياة

تنبعثُ فيَّ الحياةُ

تتوالى نصوصها بحسٍّ وطنيٍّ ثوريٍّ وهي تروي حكاية شعبٍ وثورة وتطلع لغدٍ جديد ، وكذلك نصوص أخرى تحاكي الوجدان وتلامس شغاف القلوب في لغةٍ محلقةٍ عالياً في فضاءات الإبداع وصناعة الدهشة ، ربما لنا عودة أخرى والجانب الوجداني في نصوصها التي كانت بحقٍّ نقراً على أوتار الحروف .هي امرأة من بلادي تحمل رسالةَ شاعرٍ وصرخةَ ضمير ، إنّها العامرية سعد الله من تونس الخضراء