بقلم …الأديبة التونسية(عزه الخزرجي )
الكلمة مادَة التشكيل الفنيَ لدى الأديب تشكيلا يعكس أفكاره ومشاعره فيضفي عليها بذلك ملامح جديدة وأبعادا مختلفة أمَا الرسَام أو الفنان التشكيليَ فيمتلك عناصر تشكيل خاصَة به منها الخطوط والأشكال والقيم الضوئية والألوان وقلَما نظفر بمن يجمع بين الحسنيين التشكيليَ الشاعر أو الشاعر الفنان التشكيليَ كما يتجلَى ذلك في تجربة رجب اشيخ الجماليَة.
ولاشكَ أنَ الجمع بين القلم والفرشاة بين الكتابة والرسم له أثر في الابداع الشعري أو التشكيل الفنَي
ومن هذا المنطلق ومن هذه الزاوية سنحاول رصد مواطن التواشج بين الأدبي والتشكيليَ في قصيدة أقبية اللَذة الصدارة بجريدة المثقف العربَي بتاريخ 20/12/2015
وسنرصد كيفيَة تجاوز الشاعر الابلاغ الى الاثارة وطرائق تحويل الخطاب من سياقه الاخباريَ الى وظيفته التأثيريَة والجماليَة بحسن اختيار الألفاظ والعبارات وقوَة السبك والتأليف بينها أو بجعل الخطاب الأدبي ينفتح على أنماط اخرى وأشكال مغايرة من التناول الفنيً
فكيف تمدَ روافد أخرى الى جانب الرافد الأساسي اللغوي خيوط العون للنصَ الشعري لادراك الهدف لحمل ذهن المتلقي على فهم معيَن وادراك مخصوص ؟
تحت طائلة ادراك عميق بأنَ اللغة تعبير والأسلوب يجعل لهذا التعبير قيمة عمد الشاعر رجب الشيخ الى التعامل مع اللغة أنساق وبنى تعاملا وظيفيَا بالتعويل على علاقات نحويَة وأشكال لغويَة لتشكل سماته الخاصَة
ومنها تواتر نمط محدَد من الجمل ونوع مختار اختيارا دالا انَه الجملة الاسميَة التقريريَة او التوصيفيَة الوصفيَة اذ أنَ اسميَة الجملة تقترن بالثابت وسكونه وبالوقف وجموده أمَا الجملة الفعليَة فحركة وتحوَل وتبدَل وصيرورة وتغيَر لذا ارتأى الشاعر رجب الشيخ في قصيدته أقبية اللذة اختيار ما يجب أن يختار من المادَة اللغوية ومن أنساقها لأداء المعنى لذا جاءت جملته خاضعة لنسق موح نسق الاسميَة ودورها في وصف عالم الأقبية أقبيَة اللَذة وعالم الرقاد والراقدين فبأنفاق مقفرة وحتَى يقلب السمع بصرا سيرسم الشاعر رجب الشيخ بالكلمات متوسلا عناصر التشكيل الفنَي لوحة متشحة بالسواد رمادية من رماد حريق الزمن ودينامكيته وحيوته ولهذا المشهد القاتم وهذه اللوحة الباهتة الشاحبة خلفيَة وما كانت نافذة مشرعة كما دأب على ذلك التشكليون لاكساب العمل الفنَي عمقا وامتدادا نحو الأفق والبعد والآتي بل كانت خلفيَة الخلف بكلَ ما يوحي به ظرف المكان هذا وقد تكرَر في مستهل النص الشعري
خلف الجدران
خلف أشجار الليمون
خلف قصص الغرقى
وتنضاف اليه كلمات الجدران وأشجار اليمون وكلَها جواجز ومتاريس تحجب النور والضياء وتطفو على سطح النصَ عبارة تشتبك للايحاء بالتخبَط في حندس الفوضى واغتراب المسميات عن أسمائها في اضطراب عارم
تشتبك الاوصاف
في صحوة الاشياء
هذا عن الخلفيَة واضطرابها أمَا الواجهة وهي مركز اللوحة وبؤرتها فلا تعاين فيها الاَا أوراق التاريخ المزيَف الباهتة الشاحبة شحوب الموت وقد غلب المعتم على الشفاف. والمشهد برمته مرتجَ ارتجاج دمية تعبث بها أياد خفيَة ترى فعلها ولا ترى وهي تنخر الاستقرار والقرار وتنشر الفوضى والاضطراب
التاريخ هنا
كتب مزيفا
على أوراق باهتة
لايلبث على نمط
مستقر
خلفه من يحرك دمية
من خشب
معلقة بخيوط وهمية
وهكذا عمد الشاعر الفنان الى توظيف عنصر من عناصر التشكيل ثنائية المعتم والشفَاف لتعضد العناصر اللغوية معجما وسجلاَت قول وتشيع في النص الشعري معاني شحوب عالم الأقبية وبشاعته وقبحه. وللكشف عن جوانب أخرى من هذا العالم البئيس توسَل الشاعر عنصرا أخر من عناصر التشكيل الفنَي متمثَلا في الأشكال ومنها النهر المحشرج اللافظ أنفاسه الأخيرة فلا ماء ولا حياة ولا شفافية ولا نصاعة وبلور الماء يتشظى والماء يستدعي بداهة الخبز وهو عنصر أخر من عناصر التشكيل تشكيل لوحة الفقد فقد أسباب الحياة ودعائمها من ماء وخبز
والخبز في المقابر
يندب الموتى
وكل عنصر يطلب قرينه يطلبه حثيثا وفق مبدا التوالد ولا حياة في بدئها وحبورها بلا غناء وأهازيج بلا أناشيد وأبوذيات وهي كذلك ذاوية انحدرت الى عالم أسفل أومأ اليه ظرف المكان تحت علامة التواري والحجب من ناحية وسنن انحدار واتخاذ الخطوط منحى التهاوي نحو الأنفاق وقد مسَ هذا الانحدار حتَى ما كان بلا كثافة ولا مادَة فذبذبات الصوت ينخفض ترددها الى الدرجات الصفر وكما انحدرت الحركة وسكنت يسكن الصوت ويتوقَف وتتوقف حركة الزمن في وهاد أقبية اللذة المعتمة الباردة حيث لا حركة ولا غناء ولا عصافير ولا صوت بل وحشة وجحافل من خفافيش في أنفاق مقفرة واجمالا فقصيدة أقبية اللَذة كانت نموذجا لنصوص شعراء تشكليين تمثلوا الابداع تجريبا وسعيا دؤوبا لامتلاك لغة خاصَة تكون الحدود فيها مرنة بين أشكال الابداع بكل ضروبه والغاية القصوى التأسيس لرؤية جمالية تكون فيها الأنماط التعبيرية متواشجة متعالقة تعالقا غايته النفاذ الى جوهر الممارسة الابداعية بكلَ تجلياتها
أقبية اللذة
خلف الجدران
خلف أشجار الليمون
خلف قصص الغرقى
تشتبك الاوصاف
في صحوة الاشياء
التاريخ هنا
كتب مزيفا
على أوراق باهتة
لايلبث على نمط
مستقر
خلفه من يحرك دمية
من خشب
معلقة بخيوط وهمية
حنجرة النهر
باتت
تتكىء على جرف
يحتضر
الخبز في المقابر …..
يندب للموتى
حظهم العاثر
الماء أصبح شحيحا
الاغنية
ترقد تحت
جوف الضمير
الضمير هنا يحتضن
كل أغاني الفقراء
لمستقبل
ينوء
بشىء من الريبة
ويعلن رفضه بأحتجاج
شديد اللهجة
لأجساد متداولة
في أقبية اللذة
تنال من حقد أبدي ….
أسماء المنفيين
معلقة
على جدران الخوف
لان النهر
لايعرف تواريخ ولادتهم
في سجلات طمرت
من سالف الازمنة العاهرة
الصوت هنا بات خفيضا
يخشى سوط الجلاد
والفقراء هنا يرقدون
في انفاق مقفرة
يغنون الابوذية
بطريقتهم الخاصة
أعياهم الحزن
بعظام نخرة
ونور الفجر
لم تألفه العصافير ..