سنغافورة.. شعار الأهلية والاستحقاق

د.ياسر ثابت 
«إن أفضل من يدير الاقتصاد هم الذين يحلمون ويملكون الخيال».. فى السطور التالية، سنحاول استقراء تجارب النهضة فى سنغافوره التى تجاوزت التحديات والصعوبات لتحقق معدلات عالية من التنمية وعززت مكانها ومكانتها اقتصاديـًا على المستوى العالمى. 
إنها تجربه تكشف لنا معنى أن تعمل العقول السياسية والاقتصادية والعلمية المختلفة والمشتبكة أحيانـًا لرسم مستقبل بلدها ورسم مستقبل الأجيال القادمة. 
تعد سنغافورة دولة مدينة، وقد تم تمدين كل سنغافورة تقريبًا، فانتشرت المبانى ومظاهر المدنية مثل المتنزهات. وتُعد سنغافورة مركزًا مزدحمًا وحيويًا للأنشطة الصناعية، والتجارية والمالية. ويقع مركز الأعمال والإدارة الرئيسى للمدينة فى جزيرة سنغافورة، حيث ترتفع المبانى الحديثة فوق مستودعات و أرصفة الميناء. تعتبر سنغافورة الميناء الرئيسى لجنوب شرقى آسيا، وأكثر الموانئ نشاطـًا فى العالم من حيث حمولة السفن. وهى من أكثر الدول ازدهارًا فى آسيا. ويتمتع شعبها بمستوى عالٍ فى مجال الخدمات الصحية، والتعليمية، والإسكان، والمواصلات. 
ولكن كيف تحولت سنغافورة من الاستقلال عام 1957، ثم الانفصال عن الاتحاد الماليزى عام 1965، إلى دولة متقدمة اقتصاديـًا؟ 
دولة مساحتها 710.3 كلم2، كانت أصلاً أحد الموانئ التى أقامتها شركة الهند الشرقية التابعة للإمبراطورية البريطانية فى عام 1819 فى نطاق التوسع الأوروبى فى آسيا من أجل الأسواق، وعند استقلالها كانت عائدات القاعدة العسكرية البريطانية بها تمثل ثلاثة أرباع دخلها القومى. 
دولة نشأت صدفة دون موارد وعدد سكانها يصل إلى نحو 5 ملايين نسمة. 
جاء رئيس الوزراء الأول بعد الاستقلال لى كوان يو ليواجه العديد من المشاكل كالبطالة وأزمة السكن والفساد الإدارى والركود الاقتصادى، هذا إضافة إلى أن شعب سنغافورة هو مجموعة غير متجانسة ترجع أصولها إلى الصين والهند والجزر المالاوية وغيرها. 
المفترض بداهة أنها ستكون دولة شديدة البؤس، لكن واقع الأمر مختلف. 
اليوم وبعد 49 عامـًا على الاستقلال عن الاتحاد الماليزى، تعتبر سنغافورة إحدى أغنى دول العالم على الإطلاق (فى المرتبة الثالثة عالميًا) ويعتبر دخل الفرد السنغافورى أحد أعلى الدخول فى العالم، وتتمتع بمرتبة مرموقة عالميـًا فى مستوى المعيشة، والاقتصاد، والتكنولوجيا والأمان. 
ترتكز التجربة السنغافورية على مبدأ منصة التصدير، والتخصص فى الصناعات الإلكترونية الدقيقة والتكنولوجيات المتقدمة للإعلام والاتصال، وذلك باستقطاب كبريات الشركات العالمية وتوطينها فى سنغافورة مع تقديم تسهيلات ضريبية مغرية، فضلاً عن اليد العاملة المؤهلة خاصة فى ميدان الصناعات الدقيقة بفضل النظام التربوى والتعليمى الجيد الذى يتميز به هذا البلد القزم جغرافيًا، ونظرًا لهذه الامتيازات والأرباح التى يمكن أن تجنيها الشركات المتعددة الجنسيات بفضل انخفاض تكلفة الإنتاج والقدرة على المنافسة الخارجية من حيث الجودة والأسعار فقد اتخذت هذه الشركات من سنغافورة منصة لتصدير منتجاتها إلى دول جنوب شرق آسيا وبقية الدول الآسيوية، ووصلت صناعاتها الرقمية إلى العديد من دول العالم ونافست دولًا عريقة فى ميدان التكنولوجيات الرقمية والصناعات الدقيقة كاليابان وكوريا الجنوبية وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية. 
يحكى رئيس وزراء سنغافورة لى كوان يو وصانع نهضتها، قائلاً: 
منذ 25 عامـًا أحضر زملائى العالِم سيدنى بريمير للقائى، وكان عالمـًا متخصصـًا فى علم الميكروبات، وشرح لى أن دولة صغيرة كسنغافورة إذا كانت لديها عزيمة وتبنت تطوير هذا العلم فإنها ستصبح ذات شأن؛ لأن هذه العلوم أساسية للتقنية، فقلنا فلنحاول، وبدأنا بتأسيس المعهد العلمى للجينات البيولوجية واستقدمنا خبراء من بريطانيا والسويد واليابان ووسعنا عملنا معهم. 
ولأننا عملنا على مستوى دولى، فقد كان الاتصال معهم سهلًا وأصبحت لنا صناعة طبية متطورة للعقاقير. 
وتابع لى كوان يو قائلًا: فنحن نجتذب المهارات من جميع مناطق العالم ونستخدم علماء يتحدثون اللغة الإنجليزية، حيث إننا من خلال هؤلاء الإخصائيين المهرة وبفضل تعاونهم معنا حققنا أكبر استفادة. جدير بالذكر أن نبيِّن أن الذين يأتون إلينا ويلتحقون بدراسات إنسانية فى بلادنا، فإن بعضهم لا يعود لبلاده لأنهم يحصلون على ما يريدون وهكذا ننمو بسرعة. 
إن النهضة التى شهدتها سنغافورة يلخصها لى كوان يو رئيس وزراء سنغافورة فى كتابه «قصة سنغافورة من العالم الثالث إلى العالم الأول»، والذى تناول فيه قصة التحول الذى جعل من هذه الدولة الصغيرة المساحة، قليلة الموارد والتى تحاصرها التحديات البيئية والسياسية نموذجـًا تنمويـًا متفردًا. 
يمكن القول إن هناك عدة عوامل لنجاح سنغافورة، ومن أهمها أن حكومة سنغافورة تطبق قواعد ولوائح صارمة على الجميع، ولما كانت اللوائح تتسم أيضـًا بالمرونة فقد مكنت الشعب من النمو والتطور بشكل سريع، وذلك لأن اللوائح تهدف إلى مساعدة الناس للحصول على حياة أفضل، ومن ثم فإن كل هذه العوامل مجتمعة هى السبب فى التطور. 
مرت سنغافورة بمراحل مُتعددة لتطور ونمو اقتصادها باعتمادها على مجموعة من خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حيث كانت الأولوية باتجاه التصنيع كضرورة حتمية لتحقيق معدلات عالية فى النمو الاقتصادى والتركيز على الاقتصاد المعرفى والقيمة المُضافة وشملت قوائم صناعاتها الرئيسية الإلكترونيات والخدمات المالية، ومعدات حفر آبار النفط، وتكرير النفط وتصنيع الأدوية والمواد الغذائية المصنعة والمشروبات، ومنتجات المطاط وإصلاح السفن. 
وتحركت الحكومة فى السنوات الأخيرة للحد من الاعتماد على تصنيع وتصدير الإلكترونيات مقابل تطوير قطاع الخدمات، فضلًا عن تطوير الصناعات التقنية الحيوية والكيميائية والبتروكيميائية، وذلك بالتوازى مع سياسة تجارية مدروسة خلال هذه المراحل حيث لعبت التجارة دورًا حيويـًا فى البناء الاقتصادى. وحرصت سنغافورة على التطوير المستمر لتلك السياسات التجارية حيث أسهمت فى زيادة وكفاءة القطاع التجارى. 
الآن، يستطيع حوالى 91% من سكان سنغافورة القراءة والكتابة، وتعد هذه النسبة من أعلى النسب فى جنوب شرقى آسيا. 
ويلتحق الأطفال بالمدارس من سن السادسة ويستمر كثير منهم حتى سن السادسة عشرة. ويتمتع الأطفال من مواطنى سنغافورة بالتعليم الابتدائى المجانى لمدة ست سنوات. 
الإنفاق على التعليم كان متمحورًا على تخريج عمالة منتجة، الأمر الذى جعل المقررات تميل إلى العلوم والتخصصات الفنية بدل التخصصات الأخرى الأقل أهمية فى هذه المرحلة التنموية. 
والأهم من ذلك أن هذا النظام التعليمى قام على أساس «الأهلية والاستحقاق». 
فبعد ست سنوات من التعليم الابتدائى يتقدم الطلبة لامتحانات تحدد قدراتهم واستعداداتهم ومن ثم يتم إرسالهم إلى مدارس ثانوية تتناسب مع قدراتهم الذهنية، فالأقدر بينهم يتوجهون إلى أفضل المدارس الثانوية، وهكذا كلما تراجعت قدرات الطفل كلما كان مستوى المدرسة الثانوية التى يلتحق بها أقل من حيث الجودة. 
أما الطلبة الذين لم يثبتوا جدارتهم للذهاب إلى الثانوية فإنهم يذهبون إلى مدارس تجارية تعدهم للعمل. 
وبعد أربع سنوات من الدراسة الثانوية يتقدم الطلبة إلى امتحان آخر يحدد من يذهب إلى الجامعة ومن هو أقل منه قدرة فيذهب إلى كليات التقنية للتدرب على مهارات للعمل. أما الذين يذهبون إلى الجامعة فإنهم يتقدمون لامتحان آخر بعد سنتين، فإذا كان أداؤهم عاليـًا فإنهم يكملون التعليم الجامعى. 
هذا النظام الصارم حقق لسنغافورة مخرجات كانت هى القاعدة التى ارتكز عليها المجتمع فى تنميته، ولا شك أن الانضباط العملى بهذا النظام وعدم الولوج فى الاستثناءات، جعلت جميع أطراف العملية التعليمية من الطالب إلى المعلم إلى الأسرة ثم الحكومة تدرك أن تطبيق هذا النظام هو وحده كفيل بمساعدة أبناء المجتمع على اكتشاف قدراتهم والتعبير عنها فى الميدان التعليمى ومن بعده المجال الوظيفى. 
اعتمدت سنغافورة بيروقراطية صغيرة الحجم ذات كفاءة عالية، قوامها حوالى 50 ألف موظف لا أكثر، وعلى درجة كبيرة من المهنية والتعليم والثقافة. 
حرصت على أن يتم التعيين فى الوظائف عبر مناظرات عامة مفتوحة للجميع، بحيث يحصل موظفو القطاع العام على رواتب تنافسية مثل القطاع الخاص إن لم يكن أعلى. 
راتب الرئيس الأمريكى نحو 40 ألف دولار فى السنة، بينما نظيره السنغافورى مرتبه يصل إلى مليون ونصف المليون دولار فى السنة. 
هكذا تمكنت سنغافورة من تحقيق هذه المُعجزة وانتقل دخل الفرد السنوى من ألف دولار عند الاستقلال إلى ثلاثين ألف دولار فى بداية الألفية الثانية. كما استطاعت أن تصل بحجم الاستثمار الأجنبى المباشر داخل سنغافورة بما يزيد الآن على 260 مليار دولار أمريكى، فى حين شكلت الاستثمارات السنغافورية فى الخارج ما يتجاوز 200 مليار دولار.