كتب: المحرر السياسي
لم يربط أحد بين زيارة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى السعودية وتوقيت إعدام الشيخ نمر النمر. مرّ هذا الحدث مرور الكرام، بالرغم من أن هناك خطوط طويلة وكبيرة تربط الحدثين ببعضهما، وهما الحدثان اللذان من الممكن أن يقوّضا نظامي الحكم في السعودية بالدرجة الأساس، وفي تركيا الاردوغانية.
علينا معرفة أن كل من تركيا والسعودية تواجهان ضغوطاً داخلية لم يواجهاها من قبل. فاردوغان، الساعي إلى تحويل نظام الحكم في تريكا إلى رئاسي، يواجه أزمة الأكراد المتصاعدة والتي بلغت إلى درجة المطالبة بدولة مستقلة من قبل المعارضين الكرد المسلحين، بالإضافة إلى الضربة الكبيرة التي وجهتها روسيا لاردوغان بقطع العلاقات مع تركيا على الأصعدة الاقتصادية والأمنية، وهذا ترافق أساساً مع انحدار قيمة الليرة التركية واغلاق الحدود العراقيّة أمام البضائع التركية بسبب سيطرة تنظيم «داعش» على الأراضي المحاذية لتركيا.. كل هذا يجعل اردوغان في أزمة، وهو يسعى إلى تصديرها للخارج، وليس أغبى من نظام الحكم السعودي للتكفّل بهذا الأمر.
لنعد إلى السعودية التي بدت منهكة بحد الحرب الخاسرة على الصعدين العسكري والمالي في عدوانها على اليمن. وهو الأمر الذي وجد صداه في الموازنة السعودية التي عانت عجزاً كبيراً بلغ وفق التقديرات إلى نحو 100 مليار دولار، وهذا ترافق مع شروط دولية تقضي برفع الدعم عن السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود، وهو ما أجج موجة غضب داخل الشارع السعودي، الذي أخذ يغلي في الآونة الأخيرة بسبب تسريبات «مجتهد» التي كشف فيها عن فساد العائلة الحاكمة، وتزامن كل هذا مع قضية المعارضة الشيعية التي صار صداها يتردّد في العالم كلّه بعد القمع المتزايد ضدّها، ناهيك عن السلفيّة المتصاعدة، والتي خرجت من عباءة آل سعود بعد أن تغوّلت.
في الواقع، فإن البلدين، السعودية وتركيا، يواجهان أزمات كبيرة، وليس هناك شمّاعة أفضل من إيران لتعليق الأزمات عليها، وليس أفضل من إعدام الشيخ نمر النمر لإشاعة الفوضى في المنطقة، وفتح جبهات كبيرة ومتعددة للخلاص من الأزمات.
لكن السعودية وقعت في شراك اردوغان لأن الثعلب التركي راهن على توريط السعودية في الدخول بحرب دبلوماسية مع إيران ليظلّ مشتركاً فيها عن بعد، وليظلّ يلوّح للشعب التركي بأن ابعاده عن السلطة سيؤدي إلى تدمير البلاد. أما إيران في كل هذا، فهي اللاعب الصاعد، ليس على المستوى الإقليمي فحسب وإنما العالمي، فهي ستبدأ بتصدير النفط قريباً، وتملك قرارها السياسي على كامل أرضها، مصانعها تعمل وتنتج، علاوة على اكتفاءها الذاتي، والأكثر غرابة أن الخليج بحاجة إلى بضائعها لأن غالبيّة دوله ريعية، وتعتمد في الاقتصاد على الاستيراد، إذ لا تسمح القوى الغربيّة المسطيرة على الممالك من لعب دور كبير في المنطقة، والاقتصاد أساس السيادة.
والحال هذه، لم يكن إعدام الشيخ نمر النمر، سوى بإشارة من اردوغان لتوريط المنطقة، وخاصة السعودية وهي المنافس السني الوحيد له، ليحافظ على الحكم، وليصبح بوابة جديدة لتهريب النفط، وبيع البضائع لبلدان الخليج المتهالكة، التي يواجه حكامها السقوط.
خلاصة كل هذا، فإن الشيخ النمر، الشهيد الذي أفنى حياته من أجل أهله وملّته، لم يذهب دمه هدراً، وهاي ثورته على آل سعود تأتي ثمارها بعد أن قدّم نفسه قرباناً للحقّ. ها هو اردوغان، السلطان الذي قد يدخل الأكراد إلى قصره في أي لحظة يورّط العائلة المجرمة مع إيران، الدولة نووية، التي أخذ العالم يتراكض من أجل إرضائها.
أي جنون وضعت السعودية نفسها فيه، أي تغوّل صار عليه اردوغان، وأي النظامين سيتهاوى قبل الآخر.

التعليقات معطلة