عبد الرحمن عناد
في الوقت الذي يعبر فيه الادب الساخر ، عما يود الناس قوله ، تعبيرا عن مكنونات ورفض ، فأنه في ذات الوقت يستحق محليا من الدارسين التوقف عنده ، رصدا وبحثا واستنهاضا . وقد تيسر لي ان اكتب عنه مرتين ، الاولى في مشاركة بملف عن الادب الساخر ، خصصته ثقافية صحيفة ( الزمان ) ، في آذار ٢٠٠٧ ، والثانية في الملحق الساخر لصحيفة ( البلاد ) الصادرة في كندا ، بعدد تموز ٢٠١٣ ، وقد أسميته إحداها ( الجد الضاحك ) .
في الموضوعين حاولت تأشير افتراضات عدة ، منها ان هذا الضرب من الادب ، بكل ما يظهر عليه من أشكال ، هو نتاج واقع مؤلم يعكس نفسه ، مصورا ، ناقدا ، وانه اذا كان كذلك فلابد له ان يكون أمينا في عكس اية مرحلة ، تستدعي ذلك ، يمر بها مجتمعه ، وصولا الى الافتراض الثالث ، وهو ان الادب الساخر عندنا ، لم يكن ما هو مؤمل منه ، كما ونوعا ومتابعة ، صحيح ان بضعة كتب قد دونت فيه ، لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة ، حاولت ان تغادر لغة الصحافة ، الى لغة الادب ألمكتنزة بالموسيقى والمعنى وقدرة التأثير ، اضافة الى عمود صحفي هنا او هناك ، لهذا الكاتب او ذاك ، لكنه يحتاج الى مزيد متابع متواصل .الادب الساخر في مضمونه الحقيقي ، ليس محاولة لإثارة ضحك القارئ ، فحسب ، وهذا ما يوقع كاتبه في مأزق البحث عن الطرفة كغاية بحد ذاتها ، لكنه كما يقال ويعرف ، كوميديا سوداء تثير المواجع ، تذكر بها ، تشير الى ما هو مرفوض ، وتدعو الى إزالته عن جسد المجتمع كورم ، تلبس لبوس المفردة المعبرة ، الأمينة ، الجريئة ، التي تحكي ولا تحكي ، وترسل الى متلق موجوع ومعشوق لها ، يجد فيه بعض عزاء وتنفيس عن دواخله . وهو لا يطلب لذاته ، إنما استجابة لضرورات موضوعية كما قلنا .وفي حين اتخذ لنفسه أشكالا متباينة عدة : روائية ، قصصية ، مقالة ، حكاية ، موروث شعبي ، وغيرها ، فأنه في ذات الوقت ، اتخذ لبوسا عصريا ، لا يبدو معه على علاقة بالموروث العربي الساخر ، وأمثله الكثيرة ابتداء من بخلاء الجاحظ ، وما خطه ابن المقفع ، ابو العيناء ، الحمدوني ، ابو العلاء المعري ، الا في حالات قليلة ، اتبعت فيها التقفية والسجع واعتماد مرموز متنوع ليكون صلة الوصل ، او اتخذ فيها الكاتب حيوانا وسيلة معبرة عما يريد ، كما فعل الكاتب الجزائري احمد رضا وحماره ، ويبدو ان تنوع المادة المتاحة ، التي أفرزتها الحضارة ، كرموز ومقارنة ومسميات وغيرها ، كانت احد اسباب ضعف هذا التواصل المهم ، ان ندرة هذا الادب ، جديرة بأن يجهد المعنيون به ، لإحيائه ومتابعته وتشجيعه ،وتوفير السبل الأفضل والأكثر انتشارا له ، خاصة وان الادب العربي في المشرق والمغرب ، قد سبقنا في إنتاجه نوعا وكما . فنحن اليوم بحاجة الى الادب الساخر ، كفن إبداعي وصحفي وحتى تشكيلي ، يشير ويستفز ويدعو ، السنا نعيش اليوم واقعا مؤلما ، أشبه بالنكتة ! !