بغداد / المستقبل العراقي
بدا التفاؤل المعلن من قبل حكومة إقليم كردستان العراق بقرب إعلان «الدولة المستقلة» والانفصال عن العراق لا يتجاوز حدود التصعيد مع الحكومة الاتحادية وجهات سياسية داخل الإقليم.
ولا يسمح الوضع الداخلي في الإقليم في ولادة «دولة قومية»، التي ستكون في حال إبصارها النور مثلث فصل قومي بين العرب والأتراك والإيرانيين، بحكم موقعها الجغرافي المعقد وما تحويه أراضيها من مخزون نفطي هائل.
لكن وبالرغم من هذا، يراهن قادة أكراد على استغلال ما يعتبرونه «الفرصة الذهبية» أو الفوضى التي تضرب المنطقة لانتزاع دولة قومية للأكراد بالعراق قوامها نحو 7 ملايين نسمة، ومساحتها 40 ألف كيلومتر مربع، دون الخوف من إجهاض المشروع عسكرياً، بسبب التواجد العسكري الأميركي البريطاني الألماني في الإقليم عبر أربع قواعد عسكرية، فيما تشارك دول أخرى قوات البيشمركة في قواعد أخرى.
ومن المقرر إجراء استفتاء شعبي عام قبل شهر تموز المقبل لمواطني الإقليم الأكراد عبر ورقة تضم سؤالاً واحداً وهو: (هل تؤيد الاستقلال عن العراق)، وأسفل السؤال عبارة نعم وأخرى كلا. وبحسب البيان الصادر عن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، فإنّ الاستفتاء سيكون شفافاً وجرى تقديم طلب للأمم المتحدة للإشراف عليه. ويركز الإعلام القومي الكردي المملوك لحكومة كردستان أو الخاص، في حملات واسعة، على شرح فوائد الانفصال وتأسيس الدولة الكردية. ويتفاعل الشارع مع هذه الحملات بشكل واسع، وينقسم حول المشروع بين رافض ومؤيد. والمؤيدون هم الأكثرية حالياً.
ويبدو الإقليم منقسماً على نفسه حول مشروع الانفصال، بحيث أعلن نحو 40 في المائة من أعضاء البرلمان من أصل 111 نائباً رفضهم للفكرة، وهم من أعضاء حزب «الاتحاد الوطني» بزعامة جلال طالباني، وحركة «التغيير» بقيادة نوشيروان مصطفى، والجماعة الإسلامية بقيادة ملا علي بابير. ويمثل الأخير وحركته الجناح السياسي الكردي لجماعة «الإخوان المسلمين» بكردستان العراق. ومن المرجح أن يؤدي رفضهم الى انشقاق وشيك في صفوف «الإخوان المسلمين» الأكراد، في ظل إعلان نظرائهم في أربيل ودهوك تأييدهم الانفصال.
ويعود سبب رفض هذا المعسكر إلى مخاوف معلنة من قيادات داخله من الوقوع في حكم ديكتاتوري، أو حكم العائلة البارزانية للدولة الجديدة، خصوصاً وأن مسعود بارزاني بات يملك السيطرة على غالبية وحدات وفصائل البيشمركة.
وينتقل الانقسام حول المشروع إلى الشارع الكردي. ويتركّز الرافضون خصوصاً في السليمانية وأجزاء من دهوك. ويتخوّف هؤلاء من عودة المعارك والحرب الأهلية، التي خلّفت مآسي كبيرة بينها ما حصل في العام 1992، عندما اندلعت الحرب بين حزبي «الاتحاد» و»الديمقراطي»، وأسفرت عن مقتل وجرح وفقدان عشرات الآلاف. وانتهت المعارك بعد وساطة أميركية برعاية الأمم المتحدة، تم خلالها تقاسم النفوذ بين الطرفين. كما يتخوّف هذا الفريق من ردود أفعال دول الجوار.
ويُنذر الانقسام الحاصل حول مشروع الانفصال بانشقاقات كبيرة في ثلاثة أحزاب على الأقل هي «الاتحاد الوطني الكردستاني» وحركة «التغيير» و»الاتحاد الإسلامي»؛ إذ انشق حزب «الاتحاد الوطني» بزعامة الطالباني إلى جناحين: الأول يؤيد الاستقلال ويقوده نائب طالباني كوسرت رسول، وهو مدعوم من القادة العسكريين في بيشمركة السليمانية. والثاني تقوده زوجة طالباني، ويرفض الاستقلال.
أما حركة «التغيير» فأخذت هي الأخرى تشهد انشقاقاً لأعضاء منها، آخرهم كان أحد قادتها محمود حاجي، الذي قرّر الانضمام إلى مشروع الاستقلال، وترك حزبه. كما أثر المشروع بشكل أكثر عمقاً على حزب الاتحاد الاسلامي «الإخوان المسلمين»، الذين باتوا موزّعين بمواقفهم على كتلتين: كتلة السليمانية وكتلة أربيل ودهوك؛ الأولى ترفض الانفصال والثانية تؤيده. ودفع هذا الانقسام بقيادي بارز ووزير سابق بالحكومة العراقية هو ديندار دوسكي الى الاستقالة من الحزب.
وإضافة إلى التداعيات السياسية لمشروع الانفصال، هناك عوامل مالية واقتصادية تؤثر بشكل مباشر عليه؛ إذ يوجد ارتفاع مقلق في معدلات الفقر والبطالة. وتعجز حكومة الإقليم عن دفع مرتبات عناصر الأمن وموظفيها منذ شهرين. فضلاً عن الديون التي تثقل كاهل الإقليم وتترتب عليه لشركات نفط وبنوك عالمية مختلفة، إضافة الى متطلبات يراها مراقبون واجبة قبل إعلان الدولة وتكلّف نحو 30 مليار دولار، لتهيئة المؤسسات السيادية والبنى التحتية للدولة.
وبحسب الخبير الاقتصادي الكردي ناجي إسلام، فإن «وضع الإقليم المالي غير مهيئ للانفصال. هناك نحو مليار دولار ديون مستحقة لشركات النفط والبنوك، وهناك أكثر من نصف مليون موظف يحتاجون مرتبات، ولم تدفع لهم منذ شهرين وهناك متطلبات يشترط توفرها كي تكتسب كردستان صفة الدولة الطبيعية وهي غير متوفرة حالياً». ويبين في حديث لـ»العربي الجديد»، أن «الجميع يتمنى ذلك، لكن على الأرض المعوقات كبيرة».