فؤاد حسون
مهداة للعالم طالب هادي قدوري
اكان لزاما ان اتذكره ؟ اتذكره بشكل تلقائي كلما قرأت او سمعت حكاية طافية على سطح حياة الحاضر الملموس من الماضي لتمنح النفس سلاما ومسرة ، مما لا ريب فيه ، وجدت لنفسي سببا يستحق اقتران الذاكرة بالواقع ، وهذا سبب اعتزامي التعرف على مستوى رجل عصامي يحمل العلم بين عينيه ، وانا اعتقد على يقين بأني نخله تنتظر فلاحا يرويها المياه ، واعتبر ذلك انفتاح بالثراء الفكري ارصد فيه تفاصيل ما يكفي من الفضول ..
وذات مساء سنحت لي فرصة اللقاء بوساطة ابن اخيه في اللحظة التي فتح لنا الباب شعرت بفرحة ترسمها ابتسامته اثناء ما جلسنا في غرفة الضيوف ..
كان موسى رجلا مهذبا لا يصدق .. ادهشتني عذب احكامه في غمرة تواصل حديثه ، فكنت امام راويى من طراز رفيع لا تفوته المعلومة , يتقن في ادراجها ضمن النقاش ببديهية وابتسامة تحيلك الى تواضع العلماء وذاكرته لم تخنه مع تقدمه في السن ..
ها هي عمق افكاره تطوف برأسي وتمثلت في ذهني ، الف خاطر وخاطر ، واظن اني استسلمت لشاعريته ذات المنحى الادبي .. هذا ما انجزه خلال مسيرته كانسان ينطق ذهنا نشطا ، فهل لي ان اسر لكم بشيء ؟ أعرته كتابا بين قصرين لنجيب محفوظ , اعادة في اليوم التالي ومن لحظتها تساءلت عن قدرته على اثارة اعجابي , ولهذا طرقت بابه ..
كان يسترسل بوعي الموهبة في مضمار الحركة العلمية ، ولعلي وجدت في حديثه مثلا اعلى ويحق لي ان اروي ذلك لكل الناس حين احسست بمساحة طموحه وانه يعتبر نفسه صائد الاحلام بشكل متسع للغاية ..
الواقع حصل على درجة عالية في اعدادية الحلة اهلته القبول في كلية العلوم ، هناك اجتذبته دراسة الفيزياء ، لذا كانت دراسته تشي بذكاء يمنحه لذة النجاح في المرتبة الاولى خلال المراحل الاربعة ، ليصبح بعدها معيدا في كليته ويحقق امنيته ..
كان الاطمئنان يسود اعوامه المتلاحقة ، طالما انه وجد مفتاح باب صدق يمتلكه ابوه بروح سطوة كبيرة على اخوته الخمسة ، وبالتجارب يعرف ان الوقت حان لاتخاذ قرار صائب حينما عزم تزويجه من فتاة طيبة القلب والقوام والجمال ، وكبرت معهما العاطفة وازداد اعجابا بها لاجادتها فن الطبخ الشيء الذي يفخر به دائما ، لازمته واحبته بعمق شديد ، وبما انها من اصل عريق ، سافرت معه الى لندن لتمتعه بزمالة دراسية في جامعة مانشستر فكتوريا لدراسة الفلك ، فاز بها كأفضل طالب علم .. سافر موسى للتزود بالعلم مع رفية عمره .. فعلا وجدها سندا ، واضحة في اذلال صعوبات الغربة ، شرعة توفر له الجو الهادىء المشع بلألأة دافئة وديعة ، مقتربة منه اكثر فأكثر ، فهيأت له ظروفا تحفزه على متابعة بحوثه ..
في بداية العام ، أيقن انه يمارس نوعا من فعل الوعي في حقل الفلك برؤيا ناضجة له وقد سره ذلك حال وصل لنتيجة اكسبته كثيرا من موروث العلماء فاستعان بابحاثهم وجوهر نتائجهم واكتشافاتهم ، وهكذا رتب بحثه وتقنياته وقدمه الى عمادة الجامعة ..
بذلك البحث ، وبعد ان اطلعت العمادة على بحثه حول تصوير جهاز للرصد ، وفي الوقت نفسه اثنوا على ما اضطلع به ، ونعتوه بذي علم واسع .. بادرت العمادة عبور موسى من البكلوريوس ، مجتازا دراسة الماجستير الى قبولة في مرحلة الدكتوراه وهي التي حفرت اسمه في الذاكرة كعالمة ..
بعد ذلك اخذته سلسلة من الليالي امام المرصد يطيل ملاحظة السماء هنا وهناك .. هناك ثبت نجمته كاكتشاف جديد ، يتأملها ليرى فيها كونا مصنوعا من خيال ينسج طقوسا ساحرة استأثرت بأهتمامه ولطالما امضى ساعات ، عاشقا العلم الممتد نحو السماء ، وهو يحادث النجوم المحيطة بنجمته ، ولشد ما تمنى انذاك لو كان في مقدورها ان تتحدث اليه ..
ومن المعروف للدارسين والاساتذه ان موسى اكتشف نجمة بمساعدة مشرفه ، فاخذته صورة الفرح وشعور بالعظمة صرخ بالنجمة : تكلمي يا نجمتي تكلمي ، وقد فسر مشرفه هذه الصرخة بانها صرخة غرور كونها قفزة كبيرة الى الامام ، فقد أتى وبز بما اتى به فلكيو الاوائل قبله ..
تمت دراسته ثلاث سنوات ، حاصلا على شهادة الدكتوراه بامتياز ، وحان وقت العودة ..
هنا تحركت ماكنة العقل البرطاني لاستمالة بقاءه .. لم يتوافق بما قدموا له شرابا برشفات عسل الفردوس .. لم يخضع الى اي مراوغة تأخذ طريقها الى البقاء ما زال مرتبطا بحبله السري ..
غادر موسى وعائلته مدينة الضباب .. البلاد التي لا تغرب عنها الشمس وعينه نحو افق بلاده البعيدة ، كان في المطار البروفيسور الهندي يودعه ويقدم له الاحترام ، ويصنفه كأول عالم فلك لبلاده في المعنى الدقيق ..
على اية حال اخذ على نفسه عهدا بتطوير علم الفلك ، والاجمل في عالمه ان بلاده بنت مرصدا في اربيل ، وينتظر طقوس العمل ليشمل ابداعه مستقبلا دون ان يساوره الاحساس بأنه ادرك النهاية .. نهاية المرصد ، ببساطة تتوقف عنده الحياة .. ترك المرصد بلا وسم او شاهد مميز للدلالة عليه ..
فهم ان تضحيته مكتوبة على ذوو الرسالات ان لا يدخلوا على البشر العلم ، كان شأنهم شأن وضع الرجل المناسب في المكان غير المناسب .. هكذا كان تغيير نمط حياته العلمية ، ولعل هذا العلم كان لا يتفق مع لون حياة تبدوا كانها واقفة لا تسير وتحكي الى ما هو وضعوا امامه شرابا من كأس وظيفة .. عجب لهذه الوظيفة عينً استاذا في الجامعة ، مسؤول قسم ، فأستقام جدارا بين الفلك والتدريس الذي يسلبه قواه الجسدية ، ثم يسلبه قواه الذهنية .. تعرض للاهمال في مجتمع يأكل الخبز من التنور المستورد دون ان يزرع الحنطة..
تلك هي الخواطر التي طافت بنفسه .. وهنا يبرز غموض بمصبات مجهولة يزامن مرصد اربيل في تعامل لا مبالاة .. فهم هذا الوضع ، لكن السماء لها موجات قوية منسجمة مع نجمته، تجاري القمر في الومض علً ربانها يستدل عليها .. هو داخل شرنقة وفاصل نجمته ارتحالا في زمن رديء الاضاءة .. زمن التتر والمغول نمطا معاكل للعلم ..!
عرف بحدسه النابع من داخله انه يعانق فراغا لم يكن يرتضيه ، وفي اعماقه حدث التغيير في حياته ، حينذاك جعلوها غامضة وامنياته هابطة تتداعى في بئر الحرمان .. هي اذا حياة عمياء مرساها تقاعد يجمد حياته الفكرية ليبقى معلقا في شجرة احلام العصافير …