انعام كجه جي
يُمكن وصف بلدة «بيوت» بأنها حسناء مدللة تجلس على الساحل الجنوبي لفرنسا، تبلّل قدميها بمويجات المتوسط بين «كان» و«نيس». وليست هناك شكوك في أن سكانها البالغ عددهم 10 آلاف، يمكن أن يقوموا بثورة في الربيع الحالي ولا المقبل. لكن نسخة نادرة بخط اليد من قصيدة «حرية» للشاعر بول إيلوار (1895ـ 1952) جذبت إليهم زوارًا بعدد نفوس البلدة. وهذه النسخة معروضة حاليًا في متحف الرسام فيرنان ليجيه (1881 ـ 1955) في البلدة وحكايتها تستحق أن تروى. فقد ربطت بين الشاعر والرسام صداقة تركت أثرها على أعمالهما. وكانا في عشرينات القرن الماضي يترددان على حلقات من المثقفين الطليعيين. ومن يقول عشرينات باريس يعني تلك الحقبة المسماة «السنوات المجنونة» التي احتضنت السوريالية وغيرها من الحركات التجديدية في الفن وسمحت بظهور النزعة الفردية في الأدب. كانت فترة جعلت من العاصمة الفرنسية بؤرة لثقافات العالم، وجمعت فيها أسماء من وزن بيكاسو ودالي وهمنغواي ومارسيل بروست وغرترود شتاين وجوزفين بيكر وهنري ميلر ومودلياني وشاغال وسوتين وخوان ميرو وجان كوكتو وأندريه بروتون وأراغون وموريس شوفالييه وآخرين كثيرين ممن ملأوا الدنيا وشغلوا الناس وما زالوا حتى يومنا هذا. راح إيلوار يجمع رسوم فيرنان ليجيه. ومن جهته كان ليجيه يدسّ في لوحاته سطورًا من قصائد إيلوار. ولما قامت الحرب العالمية الثانية لجأ الرسام إلى الولايات المتحدة بينما بقي الشاعر في باريس وتعاطف مع المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال الألماني وكتب أشهر قصائده: «حرية». وسرعان ما حفظ الفرنسيون مقاطعها وتحولت إلى منشور متداول بين الناس. وبعد التحرير دخلت القصيدة المناهج المدرسية وتُرجمت إلى عشرات اللغات ويُعاد إصدارها دوريًا. ويحتفظ متحف المقاومة بواحدة من مخطوطاتها الأصلية. لأن الشاعر كتبها 12 مرة وهو يشطب ويعدّل. وقد اقتنيت نسخة منها مطبوعة في كتيب لا تزيد أبعاده على 10 في 8 سنتيمترات، أشبه بالتعويذة التي تُحمل في الجيب الملاصق للقلب. «على دفاتري المدرسية- على مكتبي والأشجار – على الرمل والغيم- أكتب اسمك. على كل الصفحات المقروءة- على كل الصفحات البيضاء- حجرٌ دمٌ ورقٌ أو رماد- أكتب اسمك. على عجائب الليالي- على خبز النهارات الأبيض – على المواسم المخطوبة – أكتب اسمك. على الصحة العائدة – على الخطر المختفي – على الأمل من دون ذكرى – أكتب اسمك. وبسلطة الكلمة – أعاود حياتي – فقد وُلدتُ لأعرفك – لكي أُسمّيك – حرية». قال إيلوار إنه كتب القصيدة لكي يختمها باسم المرأة التي يُحب. لكنه عندما انتهى منها توارت كل الأسماء ولم يبق سوى «حرية»، تعبيرًا عن شوق الفرنسيين للتخلص من الاحتلال. وفي الثالث من أبريل (نيسان) 1942 نُشرت القصيدة في كتيب سرّي من دون المرور على الرقيب. ثم وصلت نسخة منها إلى قوات «فرنسا الحرة» في لندن بزعامة الجنرال ديغول، وطبعت منها آلاف المنشورات التي ألقتها طائرات سلاح الجو البريطاني على الأراضي الفرنسية. تخيلوا طائرات تلقي على شعوبنا أشعارًا. بعد 10 سنوات على كتابة القصيدة، أودت سكتة قلبية بإيلوار وهو في السادسة والخمسين من العمر. وذهب أحد الناشرين وطلب من فيرنان ليجيه أن يرسم لوحات من وحيها. وكانت النتيجة مجموعة من الرسوم الملونة التي تقابل كل مقطع من المقاطع الإحدى والعشرين لـ«حرية». وهي الرسوم المعروضة في بلدة «بلوت» حاليًا، مع نسخة أصلية من القصيدة. والناس يأتون من بقاع بعيدة لكي يزوروا المعرض ويتمتعوا، لا بالفن والشعر فحسب، بل ببركة الصداقة وتشابك مصائر البشر. فقد أحب ليجيه هذه البلدة الواقعة بين «كان» و«نيس» وتردد عليها كثيرًا. وسجل التاريخ أن إيلوار كان قد مرّ من هنا مع زوجته الروسية الأصل غالا، قبل أن يخطفها منه الرسام الإسباني سلفادور دالي وتقع تحت سطوة شاربيه المعقوفين.