حسين ناجي الطائي
قبل أكثر من أربعين عاما كنا نحن الثلاثة أنا والشهيد الشاعر عدنان سعيد و ثامر الخفاجي تجمعنا الصداقة والثقافة كنت قد سالت ثامر مرة :
أيها اقرب إلى روحك الرياضة – حيث كان رياضيا متميزا – أم الكتاب ؟
فأجاب بعجالة : الكتاب . منذ ذلك الزمن البعيد كانت لثامر صحبة مع الكتاب والثقافة والمعرفة والوعي . نشرنا أنا والشهيد عدنان سعيد بعضا من قصائدنا في الصحافة الأدبية في فترة السبعينات غير إن ثامرا بقي صامتا عن النشر، بعدها رحل عنا وعن مدينته ( الهندية ) التي منحتنا الشعر والحب والبهجة وظل صامتا لوقت طويل ، غير انه نطق أخيرا ، وعزف لحنه الجميل فلملم حروف تجربته الحياتية الطويلة وأودعها ديوانه البكر نصوصا شعرية تفصح عن التجربة المفعمة بالحركة ، هذه التجربة المعبأة بالشوق والهواجس والحزن والفرح فهو يبوح بما حمله اللاوعي
ليس على الإنسان إلا إن يكون شاعرا كي يعبر من اللاجمال إلى الجمال الكوني ، في نصوصه الشعرية مرونة واستيعاب لما يدور حوله ، النص الشعري عنده ليس منبثا لا جذور له , فهو ربط الشعر بالإنسان وقضاياه وان صغرت , الحرية والوعي والمسؤولية ركائز ارتكز عليها الشاعر وهو يمارس عملية الابتداع ،هذه نصوصه الشعرية عصارة الذات وهي خلاصة التجربة ,هذه الذات التي دائما ما تصدم بواقعها الهش عابرة هشاشته هادمة جدار التلائم معه الشاعر يهدم القبح ليبني ما يتلائم مع ذاته الطموحة المبدعة .
فالشاعر خلق نصه الشعري الجديد بلغة جديدة تبحث عن إجابات , فنصه الشعري لا يحمل الهزيمة بل أراد منه أن يبني ذاتا جديدة تحمل أحلامها الجميلة ، فهو يصرخ بصوت عال رافضا أوجه القبح ورتابة اللحظة المعاشة يحمل مطرقته ليهشم رأس الركود ، فنصه الشعري يحمل قيمة وغاية فهو جدير بالبقاء .
الشعر إبداع وليس انعكاسا للواقع كما هو له علاقة بالتجربة وبالأنا ، فالشاعر يحدد مهمته وينسج علاقة جديدة مع واقعه دون أن يسقط في تصوير الواقع لان طموحه هو خلق واقع جديد عبر الإبداع .
الشاعر أي شاعر يمتلك رؤيته ، وهذه الرؤيا تتبعها رؤيا ( حلم ) ينبع من رؤيته للحياة والإنسان ، فهو يحلم بالتغيير ، فالتجربة أساس في الإبداع ، فبدون تجربة تغييب ذات الشاعر ،فيولد الشعر ميتا ، فالشاعر هنا نقل تجربته الحياتية المعيشة من خلال الإبداع لتحقيق رؤيا وموقف من خلال هذا العالم فذاته حاضرة في نصه الشعري ، عملية الإبداع عنده تشكلت من معاناته كانسان مثقف قادر على الكشف فنصه الشعري يكشف عن وعيه .
الشعر عنده ينطوي على قيمة أخلاقية وجمالية فهو يلتقط من خلال وعيه الظواهر الاجتماعية ،ويميزها ثم ينضجها من خلال إدراكه الجمالي إبداعا ونصوصا شعرية قابلة للحياة ، الشعر يتجاوز الواقع ليرسم لنا حلما وهذا لا يتحقق إلا بتصور خاص من لدن الشاعر يعني أن يمارس الابتكار والإبداع ليعبر بنا صوب النماذج الجديدة ، فالنصوص الشعرية في الديوان تحمل وعي مبدعها فهو يجتهد في خلق نصه الشعري ، النصوص الشعرية هي صرخة إنسان إلى أولئك البشر، هي إحساسات يومية يشعر بها الشاعر، فهو يريد إن يبعد الحقيقة عن الزيف والحكمة عن الغباء ،الشاعر يسكنه الوطن المذبوح من الوريد إلى الوريد يحاصره الألم فيبوح بكل أوجاعه التي حاصرته ،الشاعر يؤكد كثيرا في نصوصه الشعرية على الجانب القبيح من الأشياء ، فهو يعيش ضمن وطأة الاغتراب وهذا ما دفعه إلى استخدام لغة ( السخرية ) لان اللغة المألوفة غير قادرة على التعبير عن استيائه وقوفه من هذا القبح الذي يغلف كل شئ
لان البطولة
على الورق ميدانها
وتدون بحروف
ليس للأبجدية فيها مكان
والأوسمة والنياشين
تباع
في أروقة قصر الأمير
وفي نص أخر يقول :
هذه صحائفنا
حبلى بمفردات العهر
والقهر والشنآن
وميزان العدالة
عندنا أعمى
حتى انه لا يبالي من استخدام مفردات موجعة من السخرية :
على مر العصور
تتشابه القصور
وصور الجلادين
والقوادين
ونساء الفجور
إن إحساس الشاعر بضيق واقعه المعيشي ، وقوة محاصرته له جعلته يرفض هذا الواقع ولم يكن الرفض لذات الرفض ، وإنما هو منطلق لتأسيس مجتمع جديد يتمتع بالحرية لمواجهة التردي والهوان والذل والهزائم المتكررة .
جمعت في الكيس
كل كتب الحضارة
والتاريخ
وكل الزعامات والنياشين
لأبيعها
في سوق القمامة
لكن ثمنها يا سيدي
لم يكف
لسد رمق جائع مسكين
نجد البحث عن المعنى والتعبير عن الحقيقة ، فنصه الشعري هو صدى للعذاب الإنساني :
وليس عندي
ما يباع فتشتري
غير ثياب بالية
وحذاء عتيق
فخذهما بلا ثمن
إن شئت
ولكن اعد إلي
ذرات التراب
بين ثنايا الثوب
وكعب الحذاء
ففيهما
أناشيدي القديمة
ذات الشاعر تحاول أن تبتعد عن الواقع القبيح ، وتهرب إلى زمن النقاء والصفاء ، إلى ماض يتراقص بين عينيه إلى زمن الطفولة البرئ إلى المدن القديمة التي تركها يريد أن يتطهر من دناءة الواقع
لازال
تراب أزقة مدينتي
بين أصابعي
يصح السجود عليه
إن الامتزاج بين الذات والواقع العام يؤكد تبادل التأثير ، وان الإحساس العميق بهذا الواقع وانعكاسه في النص الشعري سوف يجعل من هذا النص مبشرا بقدوم التغيير الذي يطمح إليه الشاعر
وأصوغ حروفي قلادة
أطوق بها
جيد حلم
لم يبدأ بعد
الشاعر يرى جيلا مزقته الانكسارات والنكسات ، فيلعن زمنه ويتمرد عليه ، ونتيجة للصدام الحاصل بين الواقع المرفوض والحلم ينشا الاغتراب عند الشاعر
في وطني
تباع الضمائر
كما تباع الأحذية القديمة
ومرة أخرى يقول
من يقايضني
وطنا
بحانة خمر
أتسكع فيها ؟
وهنا ينسج الشاعر لغة إبداعية عميقة وقوية ومؤثرة لها علاقة بواقعه ، فثقافته ووعيه يضغطان عليه مع حضور القلق لان الواقع مفجع :
أحاول
أن اجمع ما تبقى
من مفردات اللغة
التي أجيدها
الملم شتات افكار ي
المعطلة
في زاويا النسيان
وارتب
أوراقي المبعثرة
على امتداد العمر
لقد استعان الشاعر بالحدث التاريخ وبالرموز لإثارة المتلقي والتأثير عليه ، وقد وظفها بمهارة ومقدرة وحنكة
قد ضاق بي صبري
عنترة
يصبح سياف البلاط
والمتنبي يبيع قصائده
ليكون بواب الأمير
وحاتم الطائي
يستجدي رغيف الخبز
ليطعم ضيفه
الشاعر أراد أن يكون محرضا لأجل النهوض وكسر القيود التي تكبل الإنسان فراح يتوسل بالسخرية طريقا للهدم ومن ثم البناء فأسلوب السخرية طاغ على نصه الشعري حتى لا تجد نصا شعريا في ديوانه بعيدا عن أسلوبه هذا
فنحن امة
تجيد فن الرثاء
وحرفتنا الأولى ….. البكاء
هذا الديوان شهادة صادقة على مرحلة موجعة ومفجعة تصلح أن تصبح وثيقة تحمل إلى الأجيال القادمة فالنصوص الشعرية تعزيز الثقة بالكلمة في زمان الكذب والرياء والخيانة