علي حسن الفواز
ما بعد أحداث بروكسل وضع العالم الغربي الكثير من حساباته أمام واقع جديد، وما عاد الأمر رهينا بتصورات عمومية، يمكن التعاطي مع مرجعياتها الحقوقية والانسانية، فبقدر ما صار الإرهاب واقعا داميا في قلب أوروبا، فإن التحديات فرضت مواقف أخرى، وسياسات تضع الحرب على هذا الإرهاب في مقدمة أولوياتها، لا سيما في مجال السياسات الخارجية والأمنية، كما أن النظر الى مشكلات الشرق الأوسط وحروبه بات مختلفا أيضا، ودافعا للبحث عن مرجعيات هذا الارهاب التمويلية والايديولوجية، وحتى حواضنه داخل جماعات معينة، أو بين الجاليات الاسلامية والعربية في أوروبا.
غياب السياسات الواضحة، وتصديق (النظرة الاميركية) أو حتى مراعاة المصالح النفطية والتسليحية مع دول الخليج تعد من أكثر الأسباب إثارة للاهتمام والجدل الآن، لأن تضخم الجماعات الارهابية، وسهولة تحركها بين الدول الاوروبية، وطبيعة دعمها اللوجستي تبدى من خلال (الهشاشة) الأمنية التي تتحمل مسؤولياتها الحكومات الاوروبية، أو ربما كان بعضها تحت عين تلك الحسابات الأمنية، لا سيما في النظر الى ملفات ذات طبيعة معقدة مثل الملف السوري والملف العراقي، والى حد ما الملف اللبناني، إذ تؤسس الأجندة السعودية والتركية والقطرية مشروعها من خلال إسقاط النظام السوري، وبأية طريقة كانت، حتى ولو حدث ذلك من خلال دعم الجماعات الإرهابية، كما أن تعويق العملية السياسية في العراق وقطع الطريق على حوار عراقي – عراقي حقيقي يدخل في هذه الأجندة، فضلا عن أن محاصرة حزب الله اللبناني واتهامه بالإرهاب وتحدي الدولة اللبنانية يدخل في هذا السياق.
الأهداف الستراتيجية لهذا المحور المدعوم أميركيا وأوروبيا تهدف الى تحجيم أي دور لإيران في المنطقة من جانب، والى الضغط على روسيا وافتعال الأزمات لها حتى لا تكون الدولة العظمى المهددة للمصالح الأميركية وسياسات القطب الواحد التي فرضتها بعد انتهاء الحرب الباردة.. لكن التدخل الروسي في سوريا، وطبيعة المعطيات السياسية والأمنية التي تحققت، فرضت واقعا جديدا صادما، على مستوى فضح السياسات المريبة للمحور الاميركي الاوروبي الخليجي، وعلى مستوى إعادة الثقة بـ(النظام السوري) ومرجعياته السياسية، وهو ما بدا واضحا خلال المفاوضات التي جرت، والتي ستجري في جنيف، إذ ما عادت الرهانات السياسية/ التفاوضية كما هي في السابق، وما عاد حلفاء المحور على وحدتهم وعلى أوهامهم.
الإرهاب وتحولات المشهد
من أكثر تحولات المشهد مدعاة للقلق ولزحزحة مواقف العديد من الدول، هو ما يرتبط بخطورة الظاهرة الإرهابية وتأثيراتها المرعبة على أوروبا، وكذلك ضغط المهاجرين الهاربين من حروب الإرهاب الى أوروبا، إذ تحولت هذه الثنائية الى قوة ضاغطة، والى عنصر تهديد بتغيّرات ديموغرافية وثقافية وهوياتية، فضلا عن ما تمثله من شرعنة لوجود حواضن إرهابية محتملة، ولعل ما حدث في بروكسل مؤخرا يؤكد هذه القراءة، فأحد الانتحاريين الذي فجّر نفسه في مطار بروكسل كان معتقلا عند الأمن التركي، وتم ترحيله الى بلجيكا ليُطلق سراحه هناك.
أحداث باريس قبل أشهر، وأحداث بروكسل الأخيرة، وقيام الحكومة الايطالية باعتقال احد الارهابيين الذين زوّروا وثائق إرهابيي بروكسل، كلها امور تؤكد خطورة التهديد الارهابي لدول اوروبية معينة، وإمكانية تمدده عبر دول الاتحاد الأوروبي، وانضمام العديد من الشباب الأوروبي الى مثل تلك الجماعات الارهابية.
التوصيف الإشكالي لما يجري وضع المخاوف الاوروبية أمام معطى جديد، وأمام رؤية أكثر حذرا لمخاطر تأثير الجماعات الارهابية، ولمراجعة كل الخطط والإجراءات السياسية الداخلية والخارجية، لا سيما في علاقتها بالمحور الخليجي الصانع الثقافي للإرهاب، والمحور الأميركي الذي يضع حساباته ومصالحه فوق أي اعتبار.
الفشل في منع الاعتداءات الإرهابية رغم سياسات الأمن الوقائي، والتسهيلات التي قدمتها أوروبا للمهاجرين واللاجئين من دول الصراع، لا يعفي من المراجعة، ومن إعادة النظر بكل السياسات التي تتعلق بملفات التوطين والإدماج، وبفرضية الحقوق وأنسنة معاناة اولئك المهاجرين، فما حدث أثار موجة من السخط الشعبي داخل البلدان الأوروبية، والذي ستكون له تداعيات انتخابية مؤثرة، لكن الأخطر هو صعود جماعات اليمين المتطرف في دول أوروبا، والذي بات يجاهر بمواقف عدائية وعنصرية، مقابل المواقف التقليدية للحركات والأحزاب الليبرالية واليسارية والاشتراكية، وهذا الصراع سينعكس على وحدة المجتمعات الأوروبية، وعلى طبيعة الهويات المدنية والحقوقية لها، حدّ أن البعض يقول أن هناك حركات (داعشية) ذات مرجعيات نازية وفاشية ستظهر في أوروبا ضد الجماعات الاسلامية والمهاجرين وغيرهم.
إعادة النظر بالسياسات الأمنية للدول الأوروبية ستؤدي الى مراجعة تلك الدول لعلاقتها مع أميركا، ولعلاقتها النمطية مع الدول النفطية الراعية ماديا وثقافيا للأصوليات الإرهابية، وهذا يعني إعادة النظر في علاقتها مع روسيا القوية، ومع بعض الأنظمة التي كانت جزءا من التوصيف الارهابي مثل سوريا وإيران، وأحسب أن الانفتاح الاقتصادي على إيران بعد الاتفاق النووي معها، وتخفيف حدّة المواقف من الوضع السوري يعكسان في جوهرهما الكثير من التحولات والسياسات، فضلا عن النقد الذي أخذت تطرحه العديد من المرجعيات المدنية والإعلامية للدول الراعية للإرهاب، والمطالبة بتحديد المواقف منها، ومنع توريد الأسلحة لها، حتى باتت الأوليات تتعلق الآن بإيجاد ستراتيجيات واقعية لضرب الإرهاب وتحجيمه وتجفيف حواضنه ومنابعه المادية والثقافية.