بغداد / المستقبل العراقي
استعادت مصر بعضاً من روح ثورتها، حين خرج المئات في مسيرات غاضبة في القاهرة والاسكندرية، تحت شعار «جمعة الأرض»، احتجاجاً على تنازل الرئيس عبد الفتاح السيسي عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، بموجب اتفاقية مثيرة للجدل حول ترسيم الحدود البحرية.
وبالرغم من أن مسيرات لم تكن بالحجم الكبير، قياساً إلى ما شهدته مصر من تحركات شعبية خلال السنوات الخمس الماضية، سواء لجهة المشاركة الشعبية او النطاق الجغرافي للاحتجاج، إلا أنها قد تمثل أوّل التحدّيات التي تواجه النظام المصري.
ومكمن تلك التحدّيات أن مسيرات «جمعة الأرض» شكلت أوّل خرق فعلي لقانون التظاهر، الذي استخدمه الرئيس المصري سلاحاً ضد المعارضين، والذي بسببه زج المئات من الناشطين الديموقراطيين في السجون، وكذلك أوّل اختبار لـ«فزّاعة» الإرهاب، التي طالما رفعها النظام الحالي للتحذير من تبعات اللجوء إلى الشارع.
وفي جانب ثانٍ، فإن «جمعة الأرض» جاءت خارج الاصطفاف التقليدي بين التيار المؤيد للنظام المصري من جهة، وبين التيار الإسلامي المتمثل بجماعة «الإخوان المسلمين» من جهة ثانية، ما يعيد إلى الأذهان أولى التحركات الشعبية التي خرجت ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك قبل سنوات طويلة، والتي تُوّجت بدعوات التظاهر في الخامس والعشرين من كانون الثاني العام 2011.
وفي جانب ثالث، فإنّ حركة الاحتجاج الجديدة تأتي في سياق يتجاوز القضايا الداخلية، ويلامس العلاقات الخارجية لمصر، وتحديداً ملف العلاقات المصرية ـ السعودية، وبالتالي فإنّ تعاظم حالة الرفض الشعبي للاتفاقية الحدودية، وفي ظل دعوات إلى التظاهر مجدداً يوم الخامس والعشرين من نيسان ضد «بيع» تيران وصنافير، سيشكل إحراجاً كبيراً للسيسي أمام حليفه السعودي.
ومع ذلك، فإن من المبكر الجزم بتعاظم حالة الاحتجاج الشعبية تلك، خصوصاً أن النظام المصري ما زال يمتلك الكثير من الأوراق، أبرزها إمكانية نقل الكرة الى ملعب البرلمان، المنوط به دستورياً المصادقة على اتفاقية ترسيم الحدود، أو حتى إلى استفتاء شعبي – في حال اتخذت الحركة الاحتجاجية ضد «بيع» الجزيرتين مساراً تصاعدياً – ستكون نتيجته مربحة في الحالتين، سواء كان التصويت إيجابياً أو سلبياً.
ومع أن هذه السيناريوهات ما زالت في إطار التخمين، وهي رهن بأداء النظام ومعارضيه في آن واحد، إلا أن «جمعة الأرض» أعادت بعض الزخم إلى الأصوات المعارضة في الشارع المصري، ولو بسقف توقعات منخفض نسبياً، يدفع كثيرين إلى القول إن ما جرى أمس هو مجرّد محطة تراكمية في نضال أطول وأصعب.
وكان أكثر من ألف مصري، من فئات سياسية وعمرية مختلفة، يتظاهرون حول مقر نقابة الصحافيين في القاهرة، في حين اخترقت مسيرات أخرى شوارع وسط المدينة، هتف خلالها المحتجون بشعارات تعارض «بيع» جزرتي تيران وصنافير، فيما استعاد البعض هتافات «الشعب يريد إسقاط النظام» و»يسقط حكم العسكر».وأطلقت الشرطة المصرية الغاز المسيّل للدموع في القاهرة والاسكندرية لتفريق المتظاهرين، فيما شنت حملة اعتقالات شملت عشرات المشاركين في فعاليات «جمعة الأرض»، وحذر ناشطون حقوقيون، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من وجود حالات اختفاء قسري لعدد من الموقوفين، الذين لم يُعرف مكان احتجازهم حتى ليل يوم أمس.وفي الاسكندرية، أطلقت الشرطة الغاز المسيل للدموع لتفريق عشرات المتظاهرين في حي الإبراهيمية، كما أوقفت عدداً من الناشطين، فيما أغلقت الطرق المؤدية إلى مسجد القائد إبراهيم، الذي يُعتبر بؤرة التحركات الاحتجاجية منذ «ثورة 25 يناير».وتحدث ناشطون حقوقيون عن اعتقال العشرات في القاهرة والاسكندرية وسوهاج والغردقة وأسوان والسويس والاسماعيلية والبحيرة والمنصورة.ويتمتع السيسي بشعبية كبيرة في البلاد منذ انحيازه الى المطالب الشعبية بإسقاط نظام «الإخوان المسلمين» في أعقاب «ثورة 30 يونيو» العام 2013، إلا أن سهام الانتقادات طالته في الأشهر الأخيرة بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية وعودة تجاوزات قوات الأمن بحق مواطنين، فيما أتى التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ليؤجج الغضب الشعبي، الذي كانت شرارته إطلاق وسم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان «عوّاد باع أرضه»، في إشارة إلى جملة من أوبريت مصري شهير يتناول ظاهرة قيام فلاحين مصريين ببيع أراضيهم الزراعية في الستينيات من القرن الماضي.