المستقبل العراقي / عادل اللامي
قالت صحيفة واشنطن بوست أن «الكتابات الجريئة» خُطّت على الجدران في الموصل، حيث نصّب المجرم أبو بكر البغدادي نفسه خليفةً على «إمارات» قبل عامين، وتعد هذه الكتابات بمثابة «حراك تمرّد» صغير، ولكنّه يظلّ ذا دلالات مهمّة ولا سيّما مع اقتراب ساعة الصفر لـ»معركة الموصل». وبحسب الصحيفة الأميركية، فإن الرسالة التي خُطّت على الجدران، وحملت حرف «الميم»، الذي يرمز لمفردة «المقاومة»، كانت جزءاً من الحملة التي بدأتها «كتائب الموصل» الناشطة في المدينة، وهي جماعةٌ معارِضةً تعمل بشكل سرّي في ظلّ قبضة «داعش» المحكمة، وقد أصدرت شريط فيديو، هذا الشهر، يشرح خارطة العمل التي تتبنّاها.
وبحسب ما تورد صحيفة «واشنطن بوست»، في تقريرها الذي أُعدّ من داخل العراق، فإن (داعش) استجاب لذلك الحراك بوحشيّة، وبشكل فوريّ، إذ بثّ شريط فيديو يظهر إعدام ثلاثة شبّان اتّهمهم بالضلوع في الأمر، وفي خلفيّة المشهد الدموي، يظهر أحد الجدران مخطوطاً عليه حرف «الميم» ذاتُه.
وعلى وقع بوادر التمرّد تلك، ومع اقتراب ساعة المواجهة، بدأ الشكّ يجد طريقه إلى داخل صفوف عناصر التنظيم، إذ يذكر مسؤولون عراقيّون أنّ بعض الأشخاص الذي تعاونوا مع «داعش» في السابق، باتوا يبدون رغبةً في تغيير ولاءاتهم، والانضمام إلى الجانب الآخر.
في وقال رئيس أوقاف نينوى، أبو بكر كنعان، إنّ «أعضاء التنظيم يحاولون أن يتبرّؤوا منه». ويضيف أنّه لا يزال على اتّصال مع أشخاص داخل المدينة، وسمع من عدّة أعضاء في التنظيم أنّهم يرغبون في تركه.
بموازاة ذلك، يقول أحد السكان السابقين إن «(داعش) بدأ يحدّد أخيراً الضباط الذين خدموا في الجيش خلال حقبة صدام حسين»، مضيفاً: «التنظيم يدرك أنّ بعضهم ربّما لا يزال على صلة مع بعض الأشخاص في الجيش، ويخشى من إمكانيّة تعاونهم مع الجيش، أو انقلابهم في لحظات الحسم». إضافة إلى ذلك، يتحدّث محافظ نينوى السابق، أثيل النجيفي، عن ملامح تفكّك في صفوف «داعش» أخذت تترسّخ مع تنامي الفساد داخل التنظيم، إذ يقول إنّه «على الرغم من الحظر المفروض على مغادرة المدينة؛ تمكّن بعض السكّان من الفرار عن طريق دفع رشاوى كبيرة».
وقال مسؤولون أميركيون وعراقيّون، إن استعادة المدينة قد تمثّل خطوة مهمّة في سبيل حرمان «داعش» من إماراته، وإجباره على العودة إلى حالة التمرّد التي اعتاد عليها، وهذا الأمر، وفقاً للمسؤولين أنفسهم، يظلّ مسألة وقت فحسب.
وبينما تقترب القوّات العراقيّة رويداً رويداً، جنباً إلى جنب مع القوّات الأميركية التي تقدّم لها المشورة، وفقاً لتعبير الصحيفة؛ فقد باتت قاعدة القيارة الجويّة، التي استعيدت السيطرة عليها أخيراً، هي المركز اللوجستي للمعركة الوشيكة، في الوقت الذي لا يزال «داعش» يتجهّز فيه جيّداً لساعة الصفر.
عطفاً على ذلك، يقول أحد المتحدّثين من «كتائب الموصل» للصحيفة الأميركية إنّ «داعش بات أضعف من ذي قبل في الموصل، لكنّه يوظّف أساليب مختلفة من القمع، مثل الاعتقالات العشوائية، لإظهار أنّ الأمور لا تزال تحت سيطرته». وأضاف المتحدّث ذاته أنّ التنظيم بدأ بشنّ عمليّات اعتقال جماعيّ واسعة، بعد أن شرعت «كتائب الموصل» بحملة رسوماتها على الجدران قبل شهرين، مضيفاً أن مسلّحي التنظيم بدؤوا ببناء سواتر ترابية جديدة حول بعض الأحياء في شرق وشمال وجنوب المدينة، وفي بعض الأحياء الأخرى أقيمت حواجز خرسانية، ما يشي بأن التنظيم يحاول عزل بعض الأحياء التي يخشى من انقلابها عليه ساعة بدء المعركة.
من جانبه، قال أحد القيادات القبلية في المدينة، محمد الجربا، الذي يداوم على الاتّصال بالسكّان في المدينة، إن التنظيم في الوقت الراهن، «يشنّ اعتقالات مكثّفة من دون تحقيقات، كما لم يفعل من قبل»، ويضيف: «لدي معلومات أنّهم يحفرون خنادق جديدة حول المدينة. هم لم يتوقّفوا أبداً عن الحفر».
في ضوء هذه المعطيات، لا تتوفّر معلومات دقيقةٌ بعد عن عدد المدنيين في الموصل، لكنّهم، على الأغلب، باتوا أكثر تعداداً الآن بعد نزوح عدد من العراقيين إليها إثر الجرائم المرتكبة في مناطق «داعش» الأخرى، على حدّ قول الصحيفة. 
ويقدّر الجيش الأميركي وجود ما بين 3000 إلى 4500 مسلّح في الموصل الآن. وخلال الشهرين الماضيين، أدّت الضربات الجويّة التي تقودها الولايات المتّحدة إلى مقتل 12 قياديّاً في «داعش» في الموصل وحدها، وفق ما يقول المتحدث باسم التحالف، الكولونيل جون دوريان.
لكن بمعزل عن هؤلاء، ثمّة آخرون ظلّوا رهناء للتنظيم المزعوم على مدار أكثر من عامين. وبين من حوصر منهم بسواتر التراب والإسمنت، ومن يخشى على نفسه من ويلات الحرب، ومن لا يملك خياراً إلّا البقاء والترقّب، تبقى المسألة بالنسبة لأكثر من مليون نسمة في المدينة انتظار فحسب، حتّى تضع الحرب أوزارها.

التعليقات معطلة