بغداد / المستقبل العراقي
أعلنت محكمة النزاهة في 30 آب عن استرجاع رأس تمثال الملك سنطروق، وهو أحد الآثار البابليّة المهمّة والمقيّدة في سجلاّت المتحف العراقيّ للآثار، وسرِق منه في نيسان من عام 2003. وفي الشهر نفسه، استعاد العراق نحو 483 قطعة أثريّة كان تنظيم «داعش» قد أعدّها لتهريبها من الأراضي العراقيّة.
كما كانت خطوة مهمّة في جهود إرجاع الآثار العراقيّة إلى موطنها، حين تعهّدت الولايات المتّحدة الأميركيّة في 22/08/2016 بـ»حماية آثار العراق، وعزمها استعادة المنهوب منها»، وفق ما صرّح به المستشار الأعلى في وزارة الخارجيّة الأميركيّة لشؤون التراث الثقافيّ العراقيّ جون راسل. وأكّد ذلك مصدر في السفارة الأميركية ببغداد، طلب عدم ذكر اسمه، إذ قال: إنّ التّعليمات الموجودة لدى السفارة في خصوص التّعامل مع حالات تهريب القطعات صارمة جدّاً، وإنّ الولايات المتّحدة جادّة جدّاً في منع هذه الظاهرة.
غير أنّ التقدّم الإيجابيّ في استعادة العراق لآثاره، التي اختفت من المتاحف والمواقع الأثريّة، تقابله مؤشّرات على استمرار أعمال التهريب في الموصل بشمال البلاد، لا سيّما بعد احتلال تنظيم «داعش» المدينة في 10 حزيران عام 2014، وفي ذي قار أيضاً، حيث اعتُقل في 24 أيّار اثنان من مهرّبي الآثار في حوزتهما مخطوطات وقطع أثريّة. واعترف وزير الخارجيّة العراقيّ إبراهيم الجعفري في 24 أيّار بأنّ «العراق لا يزال يحتاج إلى الدعم الدوليّ للحدِّ من تهريب الآثار باعتباره جريمة دوليّة».
ورغم اعتقال مهرّب آثار في بغداد بـ20 كانون الثاني، وفي حوزته قطع أثريّة ومخطوطات قديمة، وقيام شخص عراقيّ في 31 أيّار بمحاولة تهريب قطعة أثريّة عبر مطار النجف إلى إحدى الدول المجاورة، وأحبطت في 1 نيسان من عام 2015 بمحافظة بابل عمليّة تهريب قطع أثريّة أثناء محاولة مهرّب عراقيّ تسليمها إلى امرأة أجنبيّة، فإنّ معدل عمليّات التهريب انخفض في شكل كبير قياساً إلى عام 2003، وهو العام الذي اجتاحت خلاله القوّات الأميركيّة العراق، بحسب المدير العام للتحريّات في هيئة السياحة والآثار حيدر عبد الواحد، الّذي أكّد في بيان «تراجع عمليّات النبش العشوائيّ، التي كانت تتعرّض له المحافظات الجنوبيّة في العراق، بعد التعاون والتنسيق بين هيئة السياحة والآثار والقوّات الأمنيّة».
وعزّز وجهة النّظر هذه، مدير آثار بابل حسين فليح إذ قال: «إنّ التهريب يكاد ينعدم في مدينة بابل الأثريّة».
ونقل موقع المونيتور عن فليح قوله، إنّ «المديريّة بدأت بتأمين الحماية لآثار بورسيبا المترامية الأطراف في جنوب بابل منذ بداية عام 2016، وهو ما سيؤدّي إلى إنهاء أعمال التّنقيب غير الشرعيّة في المنطقة بشكل تامّ».وفي محافظة ذي قار (جنوب)، قال باحث آثاريّ، فضّل عدم الكشف عن اسمه، إنّ المساحات الشاسعة للمواقع الأثريّة تحرس من قبل أفراد حمايات لا تتوافر لديها تقنيّات المراقبة والرصد الحديثة، وإنّما تقوم بأعمال حراسة بدائيّة».
وأضاف إنّ «المواقع الأثريّة في ذي قار تتعرّض إلى سرقة وعمليّة تنقيب غير شرعيّ بشكل مستمرّ إلى الآن، فيما لا توجد خطط حكوميّة واضحة لحماية المواقع».
وأحد أبرز أسباب استمرار التنقيب غير الشرعيّ عن الآثار وتهريبها، الأعداد الهائلة للمواقع الأثريّة في العراق، والتي تبلغ نحو 13 ألف موقع أثريّ بحسب ما أعلنته وزارة السياحة والآثار في 15 حزيران من عام 2015، والتي لا تتناسب مع أعداد وأحجام الحمايات المتوافرة لها، بل هناك أماكن تاريخيّة مهمّة ما زالت من دون حماية أمنيّة كافية، حيث أظهرت جولة ميدانيّة لشرطة الآثار في 14 نيسان من عام 2016 أنّ الكثير من القطع الأثرية متروك في العراء.
إنّ السبيل للقضاء على التنقيب غير الشرعيّ للآثار، الذي هو مصدر تجارة المهرّبين لها، يتألّف من شقّين: الأوّل أمنيّ، حيث قال رئيس اللّجنة الأمنيّة في مجلس محافظة بابل فلاح عبد الكريم الخفاجي «إنّ تهريب الآثار يرتبط بالفوضى الأمنيّة. وكلّما استقرّت الأوضاع انحسرت أعمال التنقيب غير الشرعيّة».
أضاف: «هناك حاجة ملحّة إلى التدبير الوقائيّ وفعاليّات أمنيّة استباقيّة لدرء عمليّات التهريب قبل وقوعها وإعتماد طرق الرصد والمراقبة الرقميّة الحديثة في المواقع الأثريّة، لا سيّما الرصد والمراقبة عبر الأقمار الإصطناعيّة، ودعم سكّان القرى قرب المواقع وتشجيعهم ماديّاً لحماية المواقع».
أمّأ الشقّ الثاني من الحلّ، فهو بزيادة الوعي الآثاريّ، حيث تلوح بالأفق خطوات مهمّة في طريقها للقضاء النهائيّ على عمليّات التهريب، مثل مشاريع نشر الوعي، كالذي أنتجه مكتب «اليونيسكو» في العراق من مقاطع فيديو بدعم الخارجيّة النرويجيّة في 12 آب من للتوعية على حماية التراث الثقافيّ العراقيّ.