فاخـــر الداغـــري
عِكاظ أنت ياسوق القوافي
أكندةُ أم تميــمٌ أمنـافُ
ام الصاوي
المكان مثابة عليا يشكل اعتزازاً بطفولتة عاشت في وسطه وترعرعت تحت ظلاله وانتقلت متدرجة الى مرحلة الصبا يحدوها زهو ويشدها أمل في أن تخضع لرعاية أبوية نوعية وهي نتجة الى مرحلة الشباب وصولاً الى مرحلة الرجولة بمضامين وطنية يؤطرها خلق رفيع تتجلى فيه الحكمة وتنمو فيه الموعظة ويسود فيه الرأي السديد كحصيلة تتسم بها مرحلة الرجولة لتصبح النفس من خيرها في خير عاقبة وهي تترنم بقول ابن الرومي:
لي وطنٌ آليتُ ألا أبيعه
عمرتُ به شرخُ الشباب منعماً
وحبب أوطان الرجال اليهم
إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم
ولا أرى غيري له الدهر مالكا
بصحبة قوم اصبحوا في ظلالها
مآرب قضاها الشباب هنالكا
عهود الصبا فحنوا لذالكا
وهذا يعني ان الوفاء للوطن سجية تربوية ببعد أخلاقي عال ذي أبعاد اجتماعية جمة تعزز العلاقات الاجتماعية حيث يتحول هذا الانتماء الى اهتمامات أدبية يتبارى فيها الشعراء بقول الأكثر بلاغة والأنصع فكراً حيث يصبح ثالثة الاثاقي في تهيأة فكر يعزز العلاقة بالمكان حين يقترن القول بعذوبة الجرس الموسيقي للحرف والكلمة فيطيب القول في مناسبات الأفراح وصدور المجاميع الشعرية والتهنئة بزفاف أحد الانجال والتأسي على عزيز قوم رحل وعودة صديق عزيز من حج بيت الله الحرام.
وعليه:
يأتي (أصداء الضمير) الديوان الثاني بعد (همس الوجدان) الذي طبعه الشاعر الراحل الحاج سالم الحسون وهو على قيد الحياة ، وها هو نجله الاستاذ عبد الحسن سالم الحسون يتولى طبع ديوان والده الثاني وفاءً منه لأبوه رعته صغيراً وحنَّت عليه كثيراً وهو لم يكمل العقد الأول من سني حياته، وقد تجلت الحكمة وظل الفكر يبحث عن جواب في تساؤل مشروع قال الشاعر وهو في حيّرة من امره.
كنه الحقيقة في العوالم مبهم والسر في معنى الحقيقة أبهمُ
في وقت زينت الغلاف الأول صورة للراحل الحسون وهو يذود عن شرف الكلمة في هيأة خطاب يرتدي فيه زيه العربي الذي عرف به كما زينت الغلاف الرابع من هذا الديوان قصيدة رثاء أودع فيها الشاعر ابن مدينته محمد علي كاظم حيدر أروع المشاعر وأرق عبارات التأسي على فقده علماً من أعلام الشعر العربي في سوق الشيوخ مدينة القوافي التي حيرت الشاعر المصري صلاح رمضان الصاوي المنتدب لتدريس العربية في ثانوية الناصرية والمدعو الى إحياء مناسبات المدينة عساه يفي بمواصفات المدينة فقال:
عكاظ أنت يا سوق القوافي أكندة أم تميم أم منافُ
لقد حظي هذا الديوان بمقدمات عدة بعد اهداء رقيق أهداه الشاعر الى والده وجاءت المقدمة الأولى بقلم نجله الاستاذ عبد الحسن استوعب فيها دلالات الأبوة الصادقة. وجاءت في الثانية بقلم الشاعر الراحل الشيخ جميل حيدر الذي تربطه بالشاعر الحسون علاقات جمة اختتمها بذكر بيت القصيد في القصيدة:
فالحرف مثل الطرف لولا سحره ماكانت العشاق فيه مغرمة
والثالثة بقلم الأديب أحمد حميد الكربلائي تحت عنوان (الشاعر سالم الحسون)، والرابعة قصيدة للشاعر نفسه متصدراً فيها ديوانه الثاني بثماني عشرة بيتاً مطلعها:
لا ابتغي من القريض العظمة حتى يتاح لي به مقدمة
وقد جاء الديوان حافلاً بما يلذ ويطيب من قول الحكمة والموعظة بمئة وسبع وسبعين صفحة من حجم 24 × 17سم وبفهرسة استغرقت أربع صفحات ونصف من حجم الكتاب وثمانية وثمانين قصيدة قيلت في مناسبات تعتز بها مدينة سوق الشيوخ التي تحيي ثلاث مناسبات دينية خلال العام الواحد هي مولد الرسول (ص) ومولد الإمام علي بن أبي طالب ونجله الحسين (عليهما السلام) حيث يتبارى شعراء القريض وأدباء النثر بفصيح اللغة التي تضع النقاط فوق الحروف مشكلين حلقات ثقافية تمجد المناسبة التي اجتمعوا من اجلها.
وكان الراحل الشاعر الحسون أحد المتبارين بكل ثقله الأدبي وشخصيته الاجتماعية المحبوبة من قبل أهل المدينة رغم أنه قليل الكلام في المجاملات الاجتماعية.
يظل ديوان (أصداء الضمير) توأماً لديوان (همس الوجدان) فكلاهما سفر خالد يرتوي منه الشباب المتطلع الى مستقبل زهوان ، وتظل مدينة سوق الشيوخ فراتية الهوى وسوق للمفاخر كما وصفها الشاعر عبد المنعم الفرطوسي عام 1953م:
سوق الشيوخ وانت سوق مفاخر ومآثر فيه المكارم تُنفقُ
وتطل السجية الأدبية عنواناً كبيراً يحتفظ بذكريات عذاب شعراء كانوا ينتظمون في حلقات أدبية يتبارون في قول الشعر والنثر معاً وقد رحلوا وتركوا مآثر أدبية على شكل دواوين شعرية ومؤلفات نثرية نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر الشعراء حمدي الحمدي وشاكر حيدر وجميل حيدر ومحمد حيدر وحسون البحراني والاستاذ الفاضل يعقوب الحمداني والمقدم الرائع سلمان عبد الرحمن حيث جعلوا من مدينتهم قمة في الاعتزاز بمآثرها الأدبية وموضع فخر يشار له بالبنان.