بغداد / المستقبل العراقي
أجرى البرلمان العراقيّ، في 25 تشرين الأوّل قراءة مشروع قانون الموازنة العامّة لعام 2017 بمبلغ 100 تريليون دينار (نحو 85 مليار دولار). وكان من المتوقّع أن يتمّ التصويت النهائيّ على الموازنة في ٢٦ تشرين الثاني، ولكن عصفت الخلافات في شأن أمور جدليّة بالتوافقات المحقّقة بين مختلف الكتل النيابيّة، ما أدى الى تأجيل التصويت إلى يوم الأحد الذي مرّر عدد كثير من بنود الموازنة، إلا أنه لم يجري تمريرها بشكل كامل.
وعلى الرغم من الرقم الهائل للميزانيّة، إلّا أنّها خالية من المشاريع التنمويّة والخدميّة، ومخصّصة في جزء كبير منها كرواتب وامتيازات، وتجهيزات أمنيّة، ورواتب للجيش ممّا يجعلها في حالة عجز ماليّ بنحو 26.6 مليارات دولار، يتوجّب تسديده عبر القروض الداخليّة والخارجيّة، وهو ما دفع اللجنة الماليّة النيابيّة، إلى محاولة مراجعتها من جديد، لتضمين حاجات المواطن فيها، وتوفير دعم لمحدودي الدخل، وتوفير فرص عمل، وتفعيل النشاطات الاستثماريّة.
وفي حين خصّصت الموازنة مبلغ 20 مليار دولار للمشاريع الاستثماريّة، فإنّها أوقفت التوظيفات في الوزارات، إلّا في وزارات الداخليّة والدفاع والصحّة والتربية.
وواضح أنّ انخفاض أسعار النفط جعل معادلة الموازنة تعتمد على القروض، لتسديد رواتب الموظّفين والمتقاعدين ودفع مستحقّات عوائل شهداء الحرب على «داعش»، وإدامة زخم المعركة ضدّ الإرهاب، وتأمين مستحقّات الفلّاحين، فيما يسود الحذر من أنّ ذلك قد يؤدّي إلى الإفلاس في عام 2017، في حال استمرار تراجع أسعار النفط، والبقاء على عقود جولات التراخيص، من دون تعديل، حيث تصل كلفة استخراج النفط من بعض الآبار إلى 24 دولاراً لكلّ برميل.
وهذا المطبّ الاقتصاديّ في الموازنة، يؤكّده رئيس لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانيّة أحمد الكناني، في أنّ «أسعار النفط أجهضت الكثير من المشاريع والخطط في موازنة عام 2017».
واعتبر الكناني أنّ «العجز في ظلّ نقص الإيرادات غير النفطيّة وتكاليف الحرب على تنظيم «داعش» الباهضة منذ عام 2014، جعل الخطط تقوم على الاستعانة بتخصيصات وزارة، لسدّ النقص في تخصيصات وزارة أخرى أكثر أهميّة، مثل وزارة الدفاع».
ويتّفق مع الكناني في وجهة نظره، المحلّل الاقتصاديّ حسين ثغب الذي يتحدّث عن أنّ «نهضة اقتصاديّة في ظلّ ضائقة ماليّة يعانيها العراق بسبب انحدار أسعار النفط في الأسواق العالميّة، تبدو أمراً مستحيلاً، حيث الاقتصاد العراقيّ يوصف بالريعيّ، حال أغلب الدول النفطيّة».
ومن وجهة نظر ثغب، فإنّ الحلول تكمن في «تهيئة البيئة المناسبة لجذب الاستثمار العالميّ المتطوّر، الذي يملك رؤوس الأموال والتكنولوجيا المتطوّرة، لا سيّما وأنّ الشركات العالميّة تدرك قدرات العراق الاقتصاديّة، وامتلاكه ثروات طبيعيّة كبيرة، وهو يوصف بالغني، وهذا أحد أهمّ العناصر التي تعدّ ضامناً لحقوق الشركات العالميّة، خصوصاً وأنّ حجم العمل في العراق كبير جدّاً، ويستوعب الكثير من الشركات المتخصّصة والمصنّفة دوليّاً».
وبسبب ذلك، يعتقد ثغب أنّ «العراق قادر على تحقيق تنمية اقتصاديّة في شكل تدريجيّ، شرط تهيئة بيئة عمل مثاليّة من خلال الضمانات القانونيّة، وتفعيل قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2010 لتوفير مقوّمات نجاح المشاريع الاستثماريّة في القطاعات الصناعيّة والزراعيّة والسياحيّة، والتي سترفد الموازنة العامّة الاتّحادية بمليارات الدولارات».ويبدو أنّ الموازنة لم تغفل عمّا أشار إليه ثغب في الاستثمار في القطاعات غير النفطيّة، فقد أكّد المستشار الماليّ لرئيس الحكومة مظهر محمّد صالح في تصريحات إلى وسائل الإعلام، أنّ «موازنة عام 2017، جاءت متوافقة مع طلبات صندوق النقد الدوليّ في مسألة تفعيل الموارد غير النفطيّة، وأنّ الواردات من رسوم وضرائب وغيرها، مهمّة لتقليل العجز في الموازنة».
وإضافة إلى تحفيز مداخيل المواد غير النفطيّة، ينتظر في الموازنة الجديدة أيضاً، تقليل الضغوط على النفقات، عبر مشروع منح الموظّف إجازة براتب «أسميّ» لمدّة خمس سنوات، فيما تكون من دون راتب لما زاد عن خمس سنوات.
كما ينتظر اتّخاذ إجراءات أخرى منها تخفيض أعداد السيّارات للمسؤولين، وتخفيض أعداد الموظّفين البالغ عددهم 4.5 ملايين موظّف بنسبة 25%، وغلق القنصليّات والممثّليّات التجاريّة والعسكريّة والثقافيّة كافّة، ودمجها مع السفارات، وهي إجراءات تسعى إلى استيعاب الانتقادات لمنافذ الصرف غير الضروريّة، كتلك التي وجّهتها كتلة المواطن في مجلس النوّاب ضدّ تخصيص 50 مليار دينار في موازنة عام 2017 إلى مكتب رئيس الجمهوريّة، و39 ملياراً أخرى لنزع الأسلحة.ويكمن الحلّ، بحسب عضو لجنة الاقتصاد والاستثمار البرلمانيّة نجيبة نجيب، في «تطوير القطاعين العام والخاصّ، وسنّ القوانين التي تجذب الشركات الخاصّة العالميّة والمحليّة، إضافة إلى تقليل النفقات غير الضروريّة، واعتماد سياسة ضريبيّة تشجّع على الاستثمار، وتحفيز المنتج المحليّ، لكي يصمد أمام السلع المستوردة».
ويبقى العامل الحاسم في الحفاظ على المال العراقيّ، وتوجيه الميزانيّة نحو أهدافها، في القضاء على الفساد الماليّ والإداريّ الذي كلّف الاقتصاد العراقيّ، نحو 361 مليار دولار مفقودة من موازنات العراق بين عامي 2004 و2014، الأمر الذي استدعى توقيع الحكومة العراقيّة في عام 2016 مذكّرة تفاهم مع الأمم المتّحدة للتحقيق في ملفّات الفساد الماليّ.

التعليقات معطلة