لدى دخولك سوق “باب الحد” التاريخي في مدينة الرباط المغربية، تسرقك أصوات طقطقة كؤوس نحاسية، وخرير ماء صُبّ من وعاء تجمّل بنقوش تراثية، يُبرّد قلوب العطشى من حرّ الصيف.“مِيها باردة” (ماء بارد)، “بَرّدْ أعَطْشان” (اشرب الماء يا عطشان)؛ وغيرهما من عبارات مشهورة استخدمها بائع الماء المغربي محمد، لجذب المارّة والسياح، أملًا في جني دراهم معدودات..الرجل الخمسيني محمد يقول إنه امتهن الحرفة في عمر العشرين وورثها عن والده، وهو مستمر بها منذ 30 عامًا.ويُظهر محمد شعوراً بالرضا وهو يشرح ظروفه الصحية الصعبة التي حرمته استكمال دراسته، فشاءت الأقدار أن يعمل بمهنة أبيه وجدِّه. ويضيف “أنا أُعيل طفلين، وبيع الماء مصدر رزقي”..بلباسه الأنيق وجرسه الرنان، يتجول محمد الذي ينحدر من مدينة “طاطا” (جنوب)، حاملا وعاء ماء مصنوع من جلد الماعز يقول إنه يحافظ على برودة الماء.طقطقة الكؤوس النحاسية التي يصب فيها الماء، تجذّب زبائن السوق، وتُثير رغبة الشرب لدى المُرْتَوِي منهم قبل العطِش، هكذا يقول محمد..يواصل بائع الماء تجّوله بين أزقة السوق، مرتديًا “دَراعة” (قميص) وسروالا أحمريْن. وينتعل حذاءً أصفر اللون، ويعتلي رأسه “التّرازة” (قبعة) وعلى خصره محفظة نقود تُسمى “الشكّارة”، في لوحة ترسم تراث المغرب.