مهدي السبهان
حينما ينتهي العالم, لاتضيء فيه إلا جماجم المفكرين الأحرار. هذا ماقاله البريكان ,وهو يشعر بمواكب الحرمان, تمر أمامه , يوما بعد آخر ولم تكن تلك المواكب لأنه تضور جوعا ذات يوم, أو أئتزر بقميص بال, أو لأنه فقد السبل الحياتية, ذات الصلاة الروحية بالإبداع .بل لأن المشهد رمادي وضبابي أكثر من ايام الجوع. فهذا موكب السياب يمر من أمام عينيه الغائرتين .ليفقده امل اللقاء ثانية, برفيق الصبا وشريك المفردات ,وصاحب النجوى على شط العرب. فلا بأس بأن يسقي الشطان دموعه الحرى. وهذا موكب آخر ترفرف علية ملائكة الرب, ويحفه الرحمن باللطف ,وتحمله الاكف حزنا,ويخاطبه البريكان بصوت تخنقة العبرات وكأن لسان حاله يقول .لاتغادر نوري جعفر لاتغادر. تبكي من حولك ثكلى .هذه الليلة البيادر. ويستمر العزف الجنائزي, لمواكب المبدعين, فلم تكن السماء ملونة بفرشاة فائق حسن, الذي أعادوا رفاته إلينا ,كرفاة هندية تحمل غليونا قزحيا ببهاء الألوان, وعبير التبغ كرائحة القهوة ,يطوف ثنايا المتحف .وهاهي نازك الملائكة تسلم أجنحتها بسكون لرياح الغربة .فتعصف بها إلى مثواها الأخير, حاملة معها آنين الأدباء ولوعة شاعر انهكه الحزن. وهذا الباشا الذي توقفت عنده الدراما العراقية. مخلفا وراءه مسرحا اكتست ستائره بالسواد .فالمختار انهكته مشافي دمشق وسأم الانتظار ,وقرر الانضمام إلى كوكبة الراحلين. والمبدع القاص ,محمود عبد الوهاب عاش اللوعة والوحدة, وربما الغربة في وطنه, فاستأذن الأصحاب وأعلن الرحيل إلى عالم الملكوت .ويستمر العزف الجنائزي وأعلامنا في الغربة والمنفى. فهناك صلاح جياد. وفيصل لعيبي وأحمد مطر ,وآخرون فروا من حضن الوطن, ليحتظنهم وطن ,آخر فأصبحت السعادة للمبدع وغاية المنى, أن يفر من وطنه فرار القطاة من النسور. هذي مأساتك ياوطني ,مبدعك تحاوره أرصفة الطرقات ومعاصمه تنزف قيحا ,والخوف يطارده حتى في الحلم في زمن الردة وغير الردة .. والحرية والديمو……..? لا أفهم مامعنى الديمو …..?في وطني ,الكل يخط بسفر الكذب ونفاق العرب معاني الديمو….. وينظر مابين الفينة والأخرى, والمبدع يقتله الرعب وتطارده الأشباح والوالي لايفقه شيء مماقلنا هذي مأساتك ياوطني .عقولنا مهاجرة كطيور النورس باحثة عن روض أوفر ماء وأكثر آمنا ونحن نمجد ماضينا حد التخمة. و في باريس تقام الأفراح بعقول تأويها من شرق احلاه بؤس. من يوقف نزف الإبداع, ويسد دروب الحرمان, ويبقي إشراقة صبح بوجه الافذاذ. هذي مأساتك ياوطني نخب الشعوب يموتون بأوطانهم ,ويشيعون بعزف جنائزي مهيب. إلا أبناءك ياوطني ماتوا في الغربة والمنفى, وحاضرهم يذبحه الرعب ,فصاروا كطيور النورس, تأويهم كل الشطأن الاشاطئك المثقل بالفوهات ورصاص الرحمة, اهذي مواسم هجرة أم إرث هذا أم ماذا فاجعتك الكبرى باقية, والشعب كنعام الصحراء, والإرث المسموم سيسري في الجسد الخاوي ,والساسة تلعب لعبتها ,من يدري من يقتل من …. من يوقف نزف الإبداع. فالفكر الأيمن ,والفكر الأيسر, والجنب الرأي ,والجنب الأعور .لايعنيهم هذا النزف فالساسة لعبتهم كبرى في الماضي والحاضر والقادم أخطر .