رئيس التحرير
لم يعد خافياً على أحد أن الصحافة في العراق تعاني أزمات كثيرة، وقد تحرّك أصحاب الصحف العراقية منذ نحو عامين لحلحلة هذه الأزمات، إلا أنهم يجدوا آذاناً صاغية من أحد. وفي العام الأخير رأينا صحفاً أغلقت أبوابها وسرّحت موظفيها، واحتجبت عن الصدور نتيجة للأزمة المالية الخانقة التي تعانيها.
وبمقابل هذا، ظلّت صحف أخرى تخسر، وعقدت اتفاقات مع صحفييها وموظفيها لتخفيض مرتباتهم، فضلاً عن اتفاقات أخرى مع أصحاب المطابع من أجل الاستمرار، وجاء ذلك لتحملها مسؤولية بناء الديمقراطية الناشئة في العراق.. وظلّت هذه الصحف تراهن على أن يتخذ البرلمان أو مجلس الوزراء خطوة إلى الأمام للانتباه إلى واقعها الذي أوغل في المعاناة، غير أنها إلى الآن لم تجد ولا خطوة واحدة لإنقاذها.
ومطلع هذا الأسبوع، عقد أصحاب أصحاب الصحف العراقية اجتماعاً موسعاً نتج عنه إعلان «اتحاد اصحاب الصحف العراقية»، ليكون جهة قطاعية تعنى بمهمة توحيد وتنظيم الجهود ووضع استراتيجية بعيدة المدى والتخطيط لوضع الحلول للازمة الخانقة التي تمر بها الصحافة الورقية وكل ما من شأنه تعضيد ديمومتها.
وأصدر الاتحاد، فور تأسيسه عدداً من النداءات والمطالب للحفاظ على السلطة الرابعة في العراق التي تعاني تهديداً وجودياً حقيقياً، واستجاب لهذا النداء سماحة السيد عمار الحكيم رئيس التحالف الوطني، وأيضاً الشيخ همام حمودي عضو هيئة رئاسة البرلمان وعدد كبير من المسؤولين في الدولة ، الأمر الذي يدعو إلى التفاؤل بوجود صيغ لإنقاذ الصحافة المستقلة.
ونحن في الصحف العراقية، نرى واجباً وطنياً في الاستمرار بالصدور.
الأمر لا يكمن في أن الصحف مشروع تجاري، فهي مشروع من الناحية المادية خاسر، إلا أنه من الناحية الوطنية يعني الكثير، إذ لا وجود لديمقراطية من دون وجود إعلام. الإعلام يوجّه الديمقراطية ويكون حارسها. يشخّص الأخطاء حين تحدث، ويقف مع الدولة حين تمرّ بظروف صعبة، وقد كانت الحرب الإعلامية التي خاضتها الصحف العراقية جنباً إلى جنب مع القوات الأمنية خير دليل على أهميّة دورها.
ونحن في «المستقبل العراقي»، لطالما كنا مصدراً للجهات الرقابية، إذ كشفنا عن صفقات فساد عديدة، وسلّمنا الوثائق التي تثبت تهم الفساد إلى الجهات المعنية لتحاسب من تورّط، وجاء هذا في الوقت الذي دعمنا الجهود التي تريد إعمار وإصلاح الوضع العراقي المتأزم وحيينا من عمل على التقدم بالعراق إلى الأمام.
وعندما نفعل كل هذه الأمور لا نريد شكراً من مسؤول، وإنما نريد فقط الاستمرار بحراسة الديمقراطية، وتقويم عمل الحكومة والبرلمان، والثناء عليهما في الوقت الذي يستحقان عليه الثناء. وإذا ما كانت الدول الديمقراطية الراسخة تقدّم دعماً للإعلام الخاص ليحصل على استقلاله ويستمر في العمل، فإن على ديمقراطيتنا الناشئة أن تحذوا حذوا تلك الدول.
وعلى سبيل المثال، فإن دولة كبيرة مثل ألمانيا، لا تعاني فساداً، وتشهد إقبالاً كبيراً على القراءة، تستمر إلى اليوم بحصد ضرائب سنوية من مواطنيها وتمنحها ضمن بند في الموازنة لمساعدة الصحف على الاستمرار في الصدور، فكيف بالعراق الذي يعاني من تراجع في مستوى القراءة، ويعاني من مخالفات في الديمقراطية، على رأسها الفساد؟
إنه من الواجب الآن على الحكومة والبرلمان، اللذان يسعيان إلى الإصلاح حيث وضعاه هدفاً لهما، أن يتخذا خطوات حقيقية لإنقاذ الصحف العراقية من الإغلاق. إذا كان هدفهما الإصلاح ومحاربة الفساد، و محاربة الإرهاب والأفكار المتطرفة، فإن الصحف العراقية أثبتت قدرتها على هذه الحروب، إذ خاضتها ببسالة وتحدت إرهاب «داعش» والمجموعات الإرهابية الأخرى، رغم التهديدات التي واجهتها، وظلت تنشر كل بشاعة الأعمال الإرهابية وتنبه المواطنين إلى خطر الفئات الضالة.
وأخيراً، علينا أن نشكر من وقف مع مطالب الصحف العراقية، إلا أن البيانات وحدها لا تكفي من دون العمل الجاد على تشريع قانون لحماية الصحف الوطنية وتوفير وسائل دعمها، والوقوف على احتياجاتها ومتطلبات كواردها.
عليكم حراسة الديمقراطية أيها السادة من خلال دعم الصحف العراقية، لانه لاوجود لسلطة أولى في الدول الديمقراطية من وجود سلطة رابعة.