رءوف توفيق
هو فيلم عن حلم بعنوان «قرية طواحين المياه».
نرى على الشاشة تجسيدا مذهلا ورائعا لجمال ونقاء الطبيعة في قرية هادئة.. لا ينبعث منها سوى أصوات الطيور وهدير المياه المتدفقة من السواقى والطواحين البدائية الصنع.
كل الألوان تنطلق زاهية صاخبة بالحياة والتفتح.
وتأتى من بعيد، أصوات جلجلة الموسيقى.. تتصاعد تدريجيا.. لنعرف أنها جنازة امرأة تعدت التاسعة والتسعين من عمرها، وعجوز وحيد يحكى ببساطة، أن هذه المرأة كانت أول من أحبها، لكنها تزوجت غيره.. واستمر هو صديقا مخلصا وأمينا لها.
يسأله الشباب:- «وما هو عمرك الآن» يرد العجوز أنه تجاوز المائة عام بثلاث سنوات.. ثم يضحك: «وأعتقد أنها سن مناسبة لكى يرحل الإنسان».
ولكن هل الرحيل بالموت يستدعى هذا الفرح والموسيقى؟!
يجيب العجوز:- ولم لا.. إذا كنت قد أديت رسالتك في هذه الحياة على أكمل وجه، فلماذا لا يكون الوداع بالموسيقى والغناء؟!
ويدخل العجوز إلى بيته الخشبى الصغير، يرتدى ملابس جديدة وملونة وممسكا بيديه الأجراس والزهور ليشارك في جنازة المرأة.. ملتفتا للشاب الذى لا يصدق ما يراه.. ويقول له: «إننا لا نحتفل بموت الأطفال أو الشباب فهذا شىء محزن.. ولكن من حسن حظنا أننا نعيش في هذه القرية سنوات طويلة لأننا فى تآلف وحب مع الطبيعة».
وقبل انضمام العجوز لمسيرة الجنازة.. يقول للشاب كأنه يلقنه خلاصة التجربة والحكمة: (البعض يقول إن الحياة صعبة، وليس هذا صحيحا.. فالحياة جميلة تستحق أن نعيشها).
وتتصاعد الموسيقى.. ويدخل العجوز إلى صفوف مجاميع أهل القرية من الشباب والأطفال والعجائزفي أزهى ملابسهم الملونة.. وفي أياديهم الزهور والأجراس يدقونها ليتماوج رنينها مع أصوات غنائهم العذب.. في مشهد من أجمل ما قدمته السينما في تاريخها كله.
إنه الاحتفال بالحياة كما يجب أن تكون.. وبهجة الموت في راحة.
وتنتهى أحلام المخرج العبقرى «أكيرا كيراساوا» التى لخص فيها رحلته مع الحياة.. ووصيته للعالم.•