Pdf copy 1

بغداد / المستقبل العراقي
الحرب السورية تتجه نحو نهايتها. وصارت خطوط الاشتباك السياسي واضحة المعالم؛ منتصرون ومهزومون. استطاعت بعض الأطراف المهزومة من التعايش مع نتيجة الحرب الرئيسية، أي الفشل في إسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، عسكرياً، وهي النتيجة التي تختصر كل أهداف الحرب: هوية الدولة السياسية وتمحورها وتمسكها بثوابتها إلى جانب حلفائها. ونظرياً متاح لعدد من أطراف الجهات الخاسرة، تقليص جزئي لتبعات الحرب ونتائجها السلبية، لكن دون التغيير الفعلي في النتيجة النهائية لها: انتصار الدولة السورية وحلفائها. إسرائيل، من جديد، هي من ضمن الخاسرين في الحرب، وهي لا تريد أن تسلّم بالنتيجة، وأيضاً تسعى لتغييرها ولقلب الواقع الذي يتجه فعلياً نحو الترسخ. وهي تريد للمنتصرين أن يتلقوا نتيجة الخاسرين، وللخاسرين أن يتلقوا نتيجة المنتصرين. ولا مبالغة في القول إن خسارة إسرائيل في الحرب، تأتي في الدرجة الثانية من بين الخاسرين بعد تنظيم «داعش»، الذي يفقد وجوده العسكري في سوريا. خسارة إسرائيل تتعزز أكثر، في مرحلة اليوم الذي يلي انتصار الدولة السورية وحلفائها، وما يمكن أن يُبنى على هذا الانتصار.
الواضح أيضاً أن إسرائيل، تحديداً، تكثر من صراخها، وهو تعبير أكثر وضوحاً على مستوى الخسارة ربطاً بالجهة المنتصرة: سوريا الأسد وإيران وحزب الله، وهؤلاء أعداؤها الرئيسيون بعدما اصطفت الأنظمة العربية «المعتدلة» إلى جانبها. صراخ تل ابيب تعبير واضح عن مستوى الخسارة وتحديداً تمركز وتعزز التهديد في مواجهتها، وبما لا يقاس بتهديد سوريا وحلفائها في مرحلة ما قبل الحرب. كان على إسرائيل أن تدرك مسبقاً، أن الاتفاق الأميركي ــ الروسي، الذي أقرّت بموجبه بانتصار الدولة السورية وحلفائها ميدانياً، لم يأت دون مقارعة أميركية وتعنت ومكابرة وإصرار على تغيير النتيجة، لكن دون طائل. توصلت واشنطن إلى قرارها هذا، بعدما تعذر عليها قلب المعادلات ميدانياً، إلا في حال قررت أن تتدخل عسكرياً وتزج بجنودها بقتال مباشر لا تريده ولا تقوى على تحمل تبعاته. مطالب  إسرائيل في «طرد» إيران وحزب الله وتقليص سيادة الدولة السورية، هو مطلب أميركي قبل أن يكون إسرائيلياً لكنها تخلت عنه للتعذر، ما يعني أن الإصرار الإسرائيلي والصراخ حوله، لا يفيد في تغيير الموقف الأميركي. كذلك الأمر من ناحية موسكو. الجانب الروسي يدرك أن الانتصار في الحرب، وكذلك ترسخ هذا الانتصار، وكذلك إمكان بقائه، مرتبط بشكل رئيسي (إضافة إلى روسيا) بالدولة السورية، وتحديداً بشخص الرئيس السوري بشار الأسد، وبحليفيه: إيران وحزب الله. كان على إسرائيل أن تدرك هذا الواقع وتبني عليه تقديراتها حول الموقف الروسي. تخلف أو إبعاد أي من الجهات الثلاث: الرئيس الأسد وإيران وحزب الله، من شأنه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وهو ما لا تريد موسكو ولا تقوى على تبعاته. على هذه الأسس، التوافق الروسي السوري الإيراني توافق استراتيجي، ونتائجه كما منطلقاته استراتيجية، وفقدان أي طرف فيه وإبعاده، هو إضرار استراتيجي بالأطراف الثلاثة مجتمعة، ما من شأنه دفعها جميعاً إلى التمسك بالتوافق والحلف فيما بينها، وليس على المدى القصير والمتوسط، بل وأيضاً على المديات الأبعد. خيبة أمل إسرائيل كان يمكن توقعها، سواء في واشنطن أو في موسكو، ولا عنصر مفاجأة فيما حصل. هذه النتيجة انعكست في تصريحات وتسريبات وتقارير الإعلام العبري في الأيام القليلة الماضية. وهي إن كانت تكشف وضع إسرائيل وقلقها وإقرارها بالخسارة في سوريا ومحدودية القدرة لديها على تغيير نتيجة الحرب، إلا أنها تلقي أضواء على الموقف الأميركي والروسي، بما يرتبط بمجمل الساحة السورية والخاتمة المتوقعة للحرب فيها. 
في تقرير للقناة «الثانية» العبرية تعليقاً على فشل زيارة نتنياهو إلى موسكو، تشير القناة بشكل واضح جداً إلى الخسارة الإسرائيلية وتداعياتها، وأيضاً إلى أسبابها: «إسرائيل منيت بالهزيمة في الحرب السورية. وهي أبرز الخاسرين. لقد تأخرت في فهم ما يجري هناك،»، أما سبب الخسارة الرئيسي، فيشير التقرير إلى «الخشية الإسرائيلية من كلفة وأثمان تدخلها العسكري في سوريا». صحيفة «يديعوت أحرونوت» أشارت إلى أن مساعي نتنياهو لتغيير نتيجة الحرب السورية ضاعت هباء، وتشير إلى أنه أرسل وفداً أمنياً رفيعاً إلى واشنطن، لكنه عاد فقط بصورة جميلة عن اللقاء، وهذا كل شيء. توجه هو نفسه إلى موسكو والتقى بوتين في سوتشي، لكنه استحصل منه أيضاً على صورة تذكارية، وأيضاً على منبر لإطلاق المواقف، وليس أكثر.

التعليقات معطلة