Pdf copy 1

بغداد / المستقبل العراقي
نشرت وكالة الفضاء الأميركيّة «ناسا» في 3 تشرين الثاني صوراً واضحة التقطتها أقمارها الصناعيّة من الفضاء للعاصفة الترابيّة الشديدة التي ضربت العراق أخيراً، الأمر الذي يوضح خطورة هذه التغيّرات المناخيّة التي تجتاح العراق بين الفترة والأخرى وتتسبّب في ضحايا بشريّة وأضرار اقتصاديّة، فضلاً عن تسجيل مئات الحالات من الاختناق، ومنها ما أعلنته وزارة الصحّة في 30 تشرين الأوّل عن تسجيل أكثر من 4243 حالة اختناق في معظم المحافظات، من بينها 528 حالة اختناق في كربلاء فقط، فيما قرّرت سلطة الطيران المدنيّ العراقيّ في التاريخ نفسه إيقاف الرحلات الجويّة. كما ألغيت الرحلات الجويّة الإيرانيّة إلى مطاريّ بغداد والنّجف، وسجّلت محافظة نينوى 1108 حالة اختناق كلّها في مخيّمات النازحين.
وأثّرت العواصف على مجرى معارك القوّات العراقيّة مع تنظيم «داعش»، ففي 31 تشرين الأوّل من عام 2017 اضطرّت القوّات العراقيّة إلى إرجاء حملة استعادة مدينة القائم غرب الأنبار من تنظيم «داعش»، بسبب انعدام الرؤية التي تسببّت بها العواصف الترابيّة.
وفي حين تهبّ العواصف الترابيّة على الدول المجاورة للعراق مثل السعوديّة والكويت، وحتّى إيران، فإنّ «العراق من أكثر الدول المتضرّرة من جرائها على مستوى البيئة وصحّة الأفراد، والاقتصاد»، بحسب الدكتور عامر حبيب من الكليّة التقنيّة في المسيب ببابل والمدير العام لمشروع الأسمدة العضويّة في بابل، إذ عزا ذلك إلى «كون العراق أرضاً جرداء يندر فيها الغطاء النباتيّ، بعد أن جرفت نشاطات الإنسان البساتين والأراضي الزراعيّة، فضلاً عن انخفاض مناسيب مياه الأنهر وقلّة الأمطار، الأمر الذي أدّى إلى جفاف مساحات هائلة من المناطق الزراعيّة». وإذ اعتبرت المنظّمة العالميّة للأرصاد الجويّة في عام 2011 العواصف الترابيّة كإحدى الكوارث الطبيعيّة، فإنّ دولاً عدّة من العالم عزّزت دفاعاتها أمام هذا الخطر البيئيّ بأحزمة خضراء من الأشجار المقاومة لظروف الجفاف والبيئة القاسية، وإنّ الجهات المعنيّة، لا سيّما الحكومات المحليّة في العراق حَذَت منذ سنوات الأسلوب نفسه وأسّست مشاريع تقضي على التصحّر.
«لكنّ هذه المشاريع بغالبيّتها كانت قصيرة الأمد انتهت إلى فشل ذريع بسبب غياب الاهتمام، وعدم توافر الكادر المهني، وقلّة الأيدي العاملة التي تديمها»، بحسب عامر حبيب، الذي أكّد أيضاً أنّ «الفساد وعدم التخطيط الجيّد ونقص التمويل، أفشلت غالبيّة مشاريع مصدّات العواصف الرمليّة».
وتعزّز حديث حبيب حول انهيار المشاريع، بفشل مشروع الحزام الأخضر في عام 2017 بمحافظة واسط، الذي أنشئ على سور المحافظة بزرع المساحات الخضراء في المناطق التي يغلب عليها الطابع الرمليّ، لكنّه لم يكتمل إلى الآن، بسبب التقشّف الماليّ، فيما تعرّضت ممتلكاته إلى السرقة. واجتاح الجفاف أشجار مشروع الحزام الأخضر في كربلاء، الأمر الذي اضطرّ الحكومة المحليّة في 10 تشرين الأوّل من عام 2017 إلى التخلّي عنه لصالح جهات أخرى قادرة على تمويله وإكمال تنفيذه.
وقالت عضو مجلس محافظة بابل مسؤولة اللجنة الزراعيّة سهيلة عبّاس الخيكاني إنّ «الإجراءات الحكوميّة لمكافحة ظاهرة التصحّر دون المطلوب، الأمر الذي يزيد من الخطر البيئيّ المتمثّل بالعواصف».
واعتبرت «أنّ التأسيس لحزام أخضر أصبح ضرورة لا يمكن التأخّر في حسمه، لأنّه سيكون المصدّ الوحيد لمقاومة التصحّر القادم في أغلبه من الحدود الغربيّة».
وكشفت سهيلة الخيكاني عن أنّ «منطقة الجزيرة العابرة للحدود السوريّة والسعوديّة كانت في يوم من الأيّام من المناطق الخصبة في المنطقة وذات مردود اقتصاديّ هائل، لكنّها اليوم تحوّلت إلى صحراء في غالبيّتها».
أمّا الحكومة فتبدو، بعد هذا التعثّر في مكافحة العواصف الترابيّة، أكثر جديّة في المعالجة، إذ بحث رئيس الوزراء حيدر العبادي مع المدير التنفيذيّ لبرنامج الأمم المتّحدة للبيئة إريك سولهايم في 21 أيّار في تكوين حزام أخضر ضمن برنامج إقليميّ يشمل عدداً من الدول من ضمنها العراق، بعد أن كانت الأمم المتّحدة قد طرحت في عام 2013 مشروع إنشاء حزام أخضر على امتداد الحدود البريّة بين العراق والكويت للحدّ من العواصف الترابيّة، على أن يتمّ تمويل المشروع من التعويضات الكويتيّة. ثمّ أعلنت وزارة البيئة في عام 2015 عن عزمها إقامة أحزمة خضر على الحدود الإيرانيّة والكويتيّة والسوريّة.
لقد كثرت التصريحات والمقترحات حول مشاريع الحدّ من العواصف الترابيّة، ويعود بعضها إلى عام 2012، حين طرح المختصّ في شؤون الإرواء وهو يشغل اليوم منصب وزير الريّ حسن الجنابي مشروع تأسيس هيئة أو وزارة مختصّة بالحزام الوطنيّ الأخضر وتأسيس مسار مناسب له يمتدّ من شمال العراق حتّى جنوبه.
وتبدو آفاق المعالجة بشكل أوسع في التقنيّة الجديدة، التي تنوي وزارة الزراعة اتّباعها، وفق الناطق الرسميّ لوزارة الزراعة العراقيّة حميد النايف، الذي أكّد أنّ «الوزارة تتعاون مع منظّمة الطاقة الدوليّة الذريّة، إضافة إلى دول أخرى وتعزّز ذلك في مؤتمر مكافحة التصحّر في العاصمة الصينيّة بكين الذي انعقد في 12 أيلول من عام 2017»، مشيراً إلى أنّ «جميع الذين تباحثت معهم الوزارة يرون أنّ الوضع الأمنيّ سيكون عائقاً أمام الاستثمار والتمويل في مشاريع مكافحة التصحّر».
وكشف حميد النايف عن أنّ «المشروع العصريّ الجديد لا يكافح التصحّر بالتشجير فقط، بل بواسطة حفر الآبار بتقنيّات حديثة، حيث بلغت المساحات التي تسقى بالإرواء نحو 6 مليون دونم، فيما العراق يستفيد من 13 مليون دونم فقط من الأراضي الصالحة للزراعة البالغة نحو 44 مليون دونم».

التعليقات معطلة