دلع المفتي
«في كل الأمور، من الصحّي بين فينة وأخرى، أن تعلق علامة استفهام على الأشياء التي كنت قد وضعتها منذ فترة طويلة في خانة: المفروغ منه» – (برتراند راسل) تقول: «أعرف أنه يحبني وأنه لا يستطيع الحياة من دوني، لكن هذه مجرد معرفة شاملة تحتاج إلى دلائل وتفاصيل. أرى نفسي مركونة على الرف، لا كلمة، لا همسة، لا لمسة ولا حتى جدال أو شجار. غشاني الغبار وسد منافذ الحياة عني، أحتاج إليه كي ينتشلني، وينفض الغبار عن روحي ويعيد لي الإحساس بالحياة». ذاك الرف الذي وجدت السيدة نفسها مركونة عليه، هو رف «المضمون»، أو «المفروغ منه»، وكما يسمى بالإنكليزية taken for granted.. إنه مكان وحيد حزين منسي، ولنعترف، كلنا نستخدمه ونركن عليه علاقاتنا التي نحسبها في خانة «المسلم به» او «المضمون»، ونظن أننا ما ان نحتاج إليها سنجدها كما تركناها. الصحة، العائلة، الأصدقاء، الزواج، نعتبرها أمورا مفروغا منها، مضمونة، باقية، ولا تحتاج منا إلى أي جهد للمحافظة عليها، لأننا على ثقة بها، نظنها أبدية رغم أن لا شيء يدوم إلى الأبد، فعدم الثبات هو قانون الحياة. لكل جديد بهجة: الفستان، الحذاء، السيارة، العلاقات، المشاعر والأشخاص. في البداية نبتهج لحصولنا على أمر ما: هدية، علاقة، زوج أو زوجة، ثم ومع السنين يصبح الأمر عادة وتعوّدا، نقنع أنفسنا ان نبتة الحب مضمونة والمشاعر أمر مسلم به، وان ذاك الشريك سيظل هناك بكامل محبته واهتمامه وشغفه ينتظرنا، حتى وإن انشغلنا عنه ووضعناه على الرف. وإذا ما احتج أحدنا، يرد الشريك: إنه لا داعي لإثبات المثبت وتكرير المكرر، فالمشاعر مفروغ منها، وأنت تعرف. لكن الحقيقة أن المعرفة ليست كافية والوردة تحتاج إلى سقاية، وان ببضع قطرات بين الحين والحين. ننشغل بالتفكير في ما ليس لدينا، وكيفية الحصول عليه، فنتجاهل ما لدينا إلى أن ننساه. لا نتوقف قليلاً لمراجعة صحتنا، عائلاتنا، أهلنا، أصدقائنا، ازواجنا، أولادنا لنكتشف كم نحن محظوظون بهم، وكم علينا أن نكون ممتنين بوجودهم. علينا الانتباه فليس كل أمر مفروغا منه، ولا كل شخص مضمونا، ولا المشاعر بلا نهاية، فبالإمكان ان نفقد صحتنا، أصدقاءنا، أولادنا، أزواجنا في أي لحظة، القدر لا يستأذننا قبل حضوره. فلنقدر ما لدينا قبل ان تسبقه كلمة «كان»، ولنتذكر ألا ننشغل بجمع الحجارة فننسى ما لدينا من ألماس. الحياة قصيرة جداً ومن دون ضمانات. لا تنتظر للغد حتى تعبر عن إعجابك او حبك أو تقديرك. إن لامسك احساس في داخلك، أخرجه واشرحه بكلمة، بهمسة، بلمسة، بنظرة، بإيماءة، بقبلة، بحضن… بأي طريقة، عبّر فقط. قل انت جميلة، قل أنا أحبك، قل أنا لا أستطيع العيش من دونك، قل أنت صديقي، قل انت حبيبي.. قل وقل.. فالله خلق لنا الألسن لنتواصل بها، لا لنحجب مشاعرنا ونركنها على الرف.

التعليقات معطلة