آصف ملحم 
انعقدت في معهد التراث الموسكوي بتاريخ 27 آذار 2018 حلقة نقاشية بعنوان (الشرق الأوسط والقفقاز: خطوات نحو تعزيز الوئام والسلام بين الإثنيات والأديان)؛ ولقد تشرفتُ بالمشاركة في هذه الحلقة النقاشية مع مجموعة من الباحثين والخبراء من مختلف الاختصاصات!
قد يكون الحديث عن الثقافة والفكر والفن والأدب في حيز جغرافي معين غريباً في عصر الأنترنت والفضائيات، أو ما تم الاصطلاح على تسميته بـ (عصر العولمة)؛ إلا أن لهذا النوع من المقاربات الكثير من المبررات التاريخية والاجتماعية والجيوسياسية أيضاً.
وقبل الخوض في مناقشة بعض الأفكار المتعلقة بالموضوع، ولكي نفهم أيضاً أهمية دراسة هذه المنطقة وتأثيرها في الثقافة العالمية، لا بد من الإشارة إلى مفهومين أساسيين، لا مندوحة للباحث من تناولهما في هذا النوع من الدراسات:
1-العقل التاريخي: فلا يمكن عزل العقل في لحظة زمنية معينة من التطور الاجتماعي عن حالة المجتمع في الأطوار السابقة، فالتأثيرات يتم تناقلها عبر الأجيال المتلاحقة من الأجداد إلى الأحفاد؛ وهكذا فالعقل هو محصلة تراكم الخبرات الاجتماعية التاريخية، وبالتالي فهو في حالةِ حركةٍ وتبدلٍ مستمرين.
2-التآثر(1)الثقافي:وهي عملية مستمرة، لم تتوقف منذ البدايات الأولى للحضارة؛ كان الغزو والحروب والتجارة أهم آلياتها سابقاً، ثم تطورت أفقياً وعمودياً مع تطور حوامل المعلومات وطرق نقلها، من المخطوطات والكتب إلى وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة، وفي عصرنا الحديث أضيف إليها شبكة الأنترنت التي حولت العالم إلى قرية صغيرة.
تنبع، في الواقع، أهمية الشرق الأوسط والقفقاز من كونه يقع في قلب المنطقة التي شهدت نشوء الحضارات الإنسانية القديمة وولادة الأديان الأولى؛ والتي تمتد من البلقان حتى وسط آسيا شرقاً ومن بحر العرب حتى بحر البلطيق شمالاً؛ فلقد كانت هذه المنطقة، ولا زالت، منطقة تلاقي وتمازج معظم الثقافات والإيديولجيات الغربية والشرقية؛مما جعل التحولات الاجتماعية-الثقافية-التاريخية أشد حدةً من باقي المناطق في العالم؛ لذلك نرى أن هذه المنطقة غنية بالإثنيات والأعراق والمذاهب والتيارات الدينية والفكرية.
من الناحية الجيوسياسية، يقع هذا الفضاء الواسع بين سبعة بحار هامة، وهي: البحر المتوسط، البحر الأسود، بحر البلطيق، بحر قزوين، الخليج العربي، بحر العرب والبحر الأحمر، الأمر الذي يمكننا من تسميته (فضاء البحار السبعة)، وتمثل هذه البحار بوابات استراتيجية من المحيطات الكبرى إلى هذه المنطقة، الأمر الذي جعلها منطقة صراعات وحروب وتنافس دولي دائم منذ البدايات الأولى للحضارة.
للأسف، لم يكن هذا الفسيسفاء الديني-الإثني المعقد عاملاً إيجابياً بنّاءً في تعزيز الترابط الثقافي بين شعوب هذه المنطقة، بل أصبحت هذه التداخلات الثقافية ذا طبيعة سلبية في الكثير من الصراعات التي شهدتها المنطقة، واستطاعت بعض القوى استثمار هذه التعددية الثقافية لتحقيق غايات سياسية معينة؛ وخير مثال على ذلك: حروب أفغانستان والبلقان والشيشان وسوريا، حيث شهدت هذه المناطق تدفقاً للمقاتلين على خلفيات دينية وعقائدية وإثنية.
في الحقيقة، إن الثقافة والفكر والأدب والعلمهي الأسس المتينة لأي دولة؛ فالشعوب تتناقل العادات والتقاليد والفنون والآداب من جيل إلى جيل وتحتفظ بها لقرون وقرون، ولقد كانت عمليات التمازج والتآثر الثقافي بين الشعوب والدول والأمبراطوريات من أهم عوامل التطور والتقدم، لذلك فإن حماية التنوع الثقافي والحفاظ على هويات الشعوب هو واجب إنساني وأخلاقي، يقع على عاتق جميع أفراد المجتمع، وخاصةً النخب الاجتماعية والدينية والثقافية والعلمية والمعرفية في دول (فضاء البحار السبعة).
بناءً على ما سبق، فإن هذه الحلقة النقاشية، والنشاطات التي تبذلها بعض المؤسسات الثقافية الروسية، ستساهم في زيادة فرص التقارب والتآلف بين الإثنيات والأديان، ومراعاة حقوق الأقليات الدينية والإثنية، ومكافحة التطرف والإرهاب، كما أنها ستؤدي إلى تعزيز الاستقرار والسلام؛ وهي جهود مشكورة نتمنى لها الاستمرار والاتساع لتشمل كافةدول هذا الفضاء الجغرافي الواسع؛ فجميع المؤسسات الثقافية العربية وغير العربية معنية بهذا الحوار الحضاري الهام.
خبير في مركز الأوضاع الاستراتيجة في موسكو

التعليقات معطلة