درية شرف الدين
مازال الفنان علي الحجار يدهشنا ويمتعنا، مازال متمسكا بانتقاء الكلمات والألحان ومازال صوته واحداً من أجمل الأصوات المصرية على الإطلاق وأكثرها تميزا، صوته لا يشبه صوتا آخر أو يختلط معه، ربما لم ينل حظ كثيرين رفعتهم الدعاية المكثفة إلى تصوّر أنهم الأفضل وأنهم الأجدر بالشهرة وبالمال، لكن تاريخ الفن من المؤكد أنه سيضعه في المكان والمكانة الأعلى. في ليلة من ليالي رمضان ومنذ أيام حضرت حفلا غنائيا لعلي الحجار في ساقية الصاوى، كنت أستمع إليه بينما أرقب الحاضرين، هم من تلك الطبقة المتوسطة الراعية الحقيقية للفنون والآداب وربما الصانعة لها أيضا، رجال وسيدات، شيوخ وشباب لم يسمحوا بأن تتلوث آذانهم بعد بمنكر الأصوات وتفاهة المعاني وما زالوا يطربون للكلمات الجميلة والألحان الراقية، يرددونها مع علي الحجار وفرقته الموسيقية وكأنهم يحفظونها عن ظهر قلب، عامية وفصحى، وجدت لها صدى بين الحاضرين الذين التهبت أكفهم تصفيقا واستحسانا وطلبا لأغنيات بعينها بعضها مضت عليها سنوات طويلة لكنها مازالت عالقة بالأذهان. تأملت هذا الجمهور الذي يشبه الجمهور المصري منذ أكثر من نصف قرن الذي يُنصت في اهتمام ويصمت في رقي ويتجاوب في نظام وحتى يصفق في انتظام، تنبهت بأنه مازال موجوداً ومازال فرحاً ومحتفيا بالفن الجيد والأصيل، مازال يطلب الكلمة الراقية والمعنى العميق واللحن والصوت الجميل، مازال بعيدا عن الابتذال والاستسهال وأغاني المهرجانات والفاحش من التعبيرات والمسف من المعاني، وكل ما يتم الترويج له تحت مسمى حرية الإبداع الفني، والإبداع والفن من كل ذلك براء. تنبهت أن هذا الجمهور هو التمثيل الحقيقي للطبقة المتوسطة في مصر التي ما زالت تكافح للبقاء في حيز الأناقة والأصالة والرقي، كفاح مشروع لكنه أصبح صعباً ومرهقاً، معظم أفرادها لا يقدرون على الإنفاق على متطلبات الحياة الأساسية، فما بالنا بمتطلبات الإنفاق على الثقافة والاستمتاع بالفن الجيد، حتى ثمن تذكرة السينما أصبح صعبا ويحتاج للتفكير والتدبير قبل الإقدام عليه، فما بالنا أيضا بثمن الكتاب وتذكرة المسرح وعروض الموسيقى. الطبقة المتوسطة الراعية الحقيقية للعلم وللفن في مصر في انحسار ولو انكسرت تنكسر معها المقومات الحقيقية والأصيلة للمجتمع، والحفاظ عليها وإبعادها من دائرة الفقر هو حفاظ على المجتمع ذاته، علميا وتعليميا وثقافيا وفنيا.