أمينة خيري
شعوب العالم على اختلافاتها تحب القدوة وتؤمن بالشخصية المثال التي يمكن الاحتذاء بها. وهذا الحذو لا يأتي بالوعظ والإرشاد، أو المباشرة والإجبار، لكنه يفيض من خلال وقائع حياتية ومعايشات حقيقية. فالشعوب وإن انخفضت نسبة التعليم بينها، وذاعت الأمية بين أفرادها تظل تتمتع بذكاء فطري وقادرة على التفرقة بين الحقيقة والبروباجاندا.
خذ عندك مثلاً حادث الاعتداء الذي تعرض له سفير بريطانيا الأسبق لدى الولايات المتحدة الأمريكية، سير كريستوفر ماير، قبل أيام، إذ اعتدى عليه مراهق ومراهقة بالضرب المبرح. كيف؟ وأين؟ بينما كان يستعد لركوب مترو الأنفاق في محطة فيكتوريا في لندن. السفير الأسبق الحاصل على لقب «سير» وزوجته «البارونة» بكل تأكيد لديهما القدرة المادية على التحرك بسيارة. أليس كذلك؟!
والقصص «الحقيقية» والمشاهدات «الواقعية» كثيرة. وأغلبها يأتي من بلاد بعيدة، يقول عنها المتهسهسون إنها بلاد الكفر والإلحاد، ويشير إليها بالبنان الحاضر والحجة والبرهان بأنها بلاد تقدمت، وتطورت، ونمت، وخلفت وراءها الغارقون حتى الثمالة في حكم دخول الحمام، ووضع من مضمض فمه وهو صائم.
كما أن هذه الحقائق الوقائع لا يتبعها عادة وعظات إعلامية مباشرة وتنويهات تلفزيونية منفرة بأن على السادة المواطنين النظر إلى المسؤولين باعتبارهم قدوة وكونهم مثالاً يحتذى في الترشيد أو التضييق. لكنها تكون قد أدت الغرض منها، حيث تصل الرسالة كاملة متكاملة إلى المواطن الذي لا يجد في الترشيد مذلة وفي التضييق مهانة. فهو في قرارة نفسه رأى أن القابعين أعلى الهرم يتصرفون هكذا دون طبل وزمر، ودون تصنع أو ادعاء.
ودون أدنى ادعاء، خرج الرئيس السيسي في مثل هذه الأيام قبل أربع سنوات، ليخبر المصريين بأنه يتقاضى راتبًا يمثل الحد الأقصى في الدولة، وأن هناك توجيهات بألا يتقاضى أحد مبلغا يتجاوز الحد الأقصى «ولن يتجاوز الحد الأقصى» كما أعاد التوكيد. وقال وسط دهشة الجميع: «نصف هذا المبلغ لن آخذه. هذا المبلغ كثير علي».
لذلك حين ذيل الرئيس كلماته بدعوة للمصريين بأن يقدموا تضحيات (اقتصادية) حقيقية لبلادهم، جاء رد الفعل الشعبي في أغلبه مؤيدًا وداعمًا ومعتبرًا ما فعله الرئيس إشارة خضراء لمن يحب هذا البلد أن يحذو حذوه. بالطبع لم يكن المقصود أن يتنازل الجميع عن نصف راتبه؛ فالكثيرون لا راتب لهم من الأصل، أو لا يقبل راتبه القسمة بأي حال من الأحوال.
كان المقصود هو القدوة الحقيقية، وقد آتت ثمارها، بعضها كان فعليًا، والبعض الآخر منويًا، وكلاهما كان بالغ الإيجابية.
اليوم وبعد مرور أربع سنوات، يجد المصريون أنفسهم في حاجة إلى دفعات مماثلة، شرط أن تكون صادقة كمبادرة الرئيس حيئذ. ولا يشتَرط أن تأتي الدفعات على هيئة رواتب أو تبرعات أو هبات، بل الأوقع والأفضل أن يبدأ أولو الأمر بأنفسهم.

التعليقات معطلة