زبيدة صالحي
غار الشوق بين السواقي، سبح الطير وذرف الدمع، فسبى الخشوع عيون الدوالي. ألفى الحنين جريان الهوى، وزهر الزند بين السواسن والجفى، انجرح القمر فاستتر وأشجى.
على ساق الورد نزح جبيل الهوى فهزهز الشمل وبعثر الطلال لطفا. البغية ورقاء شوقاء استدرها الخاطر صبابة وما غوى، وأشهر صلبها وما طوى. الأصفاد أساور بقدها الميمون والخناجر مرشوقة بظلها والجدائل. ومضى الشائق شميلته الصبر، سمرت الشموس حبه ووعده، ووكف المطر دمعه، وغلفت الصوادع جدرانه، وما دلي الشواق ولا انقاد المشوق. لكن السوى أليف الشوق والخوالي، مرسته المحبة والأقدار، فألحن وما لحن، أدرك الصوارف والحجب وسورة السلطان فعقد النية على الخروج، وخرج! يبزغ الشوق ذبذبة، يسلك المجاري والصحاري ومرافئ الدنيا، يصقل فإذا به إصرار. ولأن الدنيا قوساء، لا تعتدل قطعة المستقيم الواصلة بين قطبي العبور بين ظهرانيها، كان المراد حبيس اللوى والمعارج والشعاب، تداهمه الأقدار وتعبث به، تلوح أوراقه شتاتا، وتسكب الآهات بين حروفه، تعتقله خيوط وأشواك وظلمات. ولأنه حر حكيم، حباه الله فراسة وأتقن لعبة الاجترار، يتسلل في كل مرة سيجته الصعاب، ينفلت ويسيل شامخا كما بزغ في القدم.  الشوق زهر وشوك ومحراب ما ترامى به إلا حر السريرة، متوهج العرفان. ما كان هكذا ما ذبل وخمد بلسعات الزمان لأنه رحاق منتفض، العزم عهده، الوعد حلفه، واليقين مسلكه، الضجر غريمه والهوان خصيمه. بداية الطريق وجد وعرفان، إخلاص نية، والبقية حل وترحال. ويتجبر الشوق، يشق الليل والنهار المرسومين على صخر الدنيا وينحت قلبه في كوثر الحياة الباقية. لعواده همس يتائم الروح، ويصنع القضية، وعند الله يحتسب أجره. ثنى الشائق الصدر على صرة تمر مسكي، وجرعة ماء، وزند زعفرانة تلهب جذوات خطوه. قربة روحانية يلملم في سرها ذخيرته مسميا بربه ومتعطفا بزهراوات الله من تفاؤل، إيمان، يقين، وتوكل عليه. بين جوانحه اتخذ لنفسه مطامير وشقوقا وحفر مغاور وآبارا دثر فيها خبأه، كلما لوت الأيام الصدر على إصر، انتفض الصبر والطيب، وتعرت المقادح، ولفحت الجذوة نفسها لتجدد عهدها. صب روحه في أخفية الزهر بحذق وشحذ نورها بلفح الكروب فسقى بذاره عنادا يشق شقا. بلغ العناد رشدا، وانتصب مكبرا وعلى الجمر قابضا فإذا به شقيق النفس والرجاء، يشد على الجرح وقد تورم القدم والهوى والمصير. وينشرح لها فرشا يرفرف بها ذفيفا من بعد ثقل صفد أوكارها وشد هذابها. للشوق أفنان، محطات، يحط فيها الشائق المتاع هنيهة، يعيد ترتيب الأفكار والأشواق. يوقن أن الدرب طويل والسلاسل سلطان والمكائد سليلة الدنيا. يلملم فيها أجزاءه ويضم نفسه إلى نفسه، ينفض عن ركبه ما علق به من غبار وعن عوده ما نخره السوس على حين غفلة. يحس بالجدب يحوم حول سيقانه الوردية ولياليه الزهر، فيفتش في أعماق عمقه وأطراف خواليه عن قطرات الحياة لينادي بغيته وينزح إليها بصوت أصدى وقلب شذا وعز أصفى.

التعليقات معطلة