منشد الاسدي 
حينما تتزاحم مفردات التربية والتشريع من حيث الاولوية , نجد أن التربية تأتي قبل التعليم , وهذا منهج يعتمده الاسلام على وجه الخصوص في نشر الرسالة , فجوهر الرسالة هو التربية والاخلاق بما يعني ذلك من بناء الانسان , ثم يأتي الامر والنهي والاحكام والفصل في أمور الحياة . ان أولوية التربية في بناء الانسان مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محورا أساسيا وهو الانسان , فالدين يتوجه للانسان من دون المخلوقات الاخرى لان لهذا الانسان دورا قياديا رائدا في الحياة , والعلم والتشريعات والقوانين والاحكام مرتبطة دائما بالانسان لانه هو الذي يفهمها ويطبقها ويسير بها في الاتجاه المطلوب . أذا نظرنا الى الجامعات الكبرى في العالم مثل جامعات فرنسا وبريطانيا وأمريكا نجدها تستقبل الطالب وتبدأ بحشر العلم في رأسه دون مقدمات , بحيث يتخرج الطالب بعد سنوات عالما كبيرا في الطب أو الهندسة أو الكيمياء أو الفيزياء النووية , وهذه الجامعات لاتقدم للطالب شيئا من التربية والاخلاق أو شيئا عن أهداف العلم وغاياته . والعالم من هذا النوع يستطيع أن يصل الى درجات متقدمة متفوقة على صعيد المعرفة والمعلومات , ويستطيع ربما أن يصنع القنبلة الذرية أو الصاروخ العابر للقارات أو الاسلحة التدميرية المتطورة , ولكن مثل هذا العالم ومثل هذا العلم لايستطيعان الوقوف بوجه الاستخدامات التدميرية لامكانات العلم , لماذا ؟ لان المناهج الحديثة ابتعدت عن أهداف العلم وغاياته الانسانية . أن الانجازات العلمية هي الات ووسائل عمياء يمكن توجيهها في طريق الخير كما يمكن توجيهها في طريق الشر , يمكن أن تكون نعمة للبشر , كما يمكن أن تكون نقمة عليهم , فما هو الجانب الذي يتحكم بهذه الوجهة ويحدد مسارها ؟ انه التربية والاخلاق . يقول البعض بأن ليس للعلم دين , قد يكون هذا صحيحا بمعنى أن العلم قوة مجردة قابلة للاستخدام في أية وجهة من الوجهات , ولكن بمجرد أن ينزل العلم من حيز النظرية والمعرفة البحتة المجردة الى حيز التطبيق العملي يكون له دين ووجهة محددة , ودين العلم حينئذ اما أن يكون انسانيا أو غير أنساني , اما أن يسير على طريق الحق أو على طريق الشيطان . أنك في بعض الاحيان تجد أنسان يتبؤ منصبا من قبيل مدير لدائرة أو شركة أو مؤسسة ما , قد يكون بالفعل يتمتع بحسن الادارة ( العملية ) نعم قادر على التوجية وأصدار الاوامر والمعاقبة والاثابه وهذا النوع من الادارات يتمتع بديموية الاستمرار , لكنه من الناحية الاخلاقية تجده مفرغا تماما تقوده الاهواء والغايات والتأثيرات الجانبية على حساب الحق , لماذا . لان تربيته تركزت على أن يكون اداريا وليس أنسانا بمعنى انه يفتقد الى الشق الاخر من عنصري التربية الاساسيين في المجتمع , فتبرز في عهده وجوه لاقيمة لها ولاتأثير في الحياة وتغيب وجوه هي الاكثر تأثيرا ربما في الحياة وصناعتها , مما تقدم نعرف أن التربية هي مقدمة العلم ولابد للعلم من مقدمات أيمانية يستند اليها في بحثه وتوجهاته , وهذه المقدمات هي التربية , وهذه التربية لاتكون الا في الدين الذي يعطي التوجهات والمناهج الاخلاقية الصحيحة .

التعليقات معطلة