أمينة خيري
على المهتمين بهذا البلد أن يبحثوا في أصل وفصل ثقافة التحايل. أصبح أغلبنا يتحايل على كل ما يستحق أو لا يستحق التحايل. والنسبة الغالبة منا باتت تنظر إلى التحايل باعتباره أسلوب حياة، وتفصيلة معتادة وعادية من تفاصيل حياتنا اليومية، نعلمها لمن حولنا، ونورثها لأبنائنا، وننصح بها أصدقاءنا ممن نجوا من تهلكة التحايل.ويشير القاموس إلى أن الرجل (وبالطبع المرأة) إذا تحايل فهو سلك معه مسلك الحذق ليبلغ منه مأربه. وتشير قواميس ومعاجم أخرى إلى مفردات مطابقة للمعنى لا تخرج عن إطار المراوغة والمداهنة والالتفاف والانعواج وغيرها من الكلمات الدالة على الابتعاد عن الخطوط المستقيمة والصرط القويمة.والتحايل في حياتنا يبدأ بمن يقرر أن يخطف 200 متر عكس الاتجاه حتى يوفر على نفسه مشقة السير 300 متر في الطريق الصحيح، ويمر بتخصيص بضعة أمتار أسفل العمارة لتكون زاوية صلاة لضرب عصفورين بحجر، أحدهما التهرب من الضرائب والآخر اختزان بضع حسنات علها تنفع يوم الحساب، وتنتهي بعدم حذف أفراد توفاهم الله من بطاقة التموين للحصول على نصيبهم المستحق في أرغفة الخبز.
وقس على ذلك تفاصيل الحياة الصغيرة منها قبل الكبيرة. ومن لا يتحايل في مصر يجد نفسه غريباً مريباً وربما منبوذاً. يسألك أحدهم: كيف استخرجت رخصة القيادة؟ تقول توجهت إلى المرور، وقدمت الأوراق، وخضعت للامتحان. ينظر إليك بتعجب وريبة يصلان إلى درجة عدم التصديق. يجول في خاطره أنك ربما لا تقول الحقيقة حتى لا تكشف عن حجم ونوع «وساطتك» في المرور. تتحدث عن إصلاح وتطوير نظام التعليم من شأنه- في حال تنفيذه- تقليص وتحجيم حجم الدروس الخصوصية وإغلاق منافذ السبوبة التعليمية، تجد من يسأل في دوائر الأصدقاء والمعارف عن مدرس فاهم فى التطوير حتى يلخص لابنه أو ابنته كبسولة الامتحان يبتلعها ويسكبها على ورقة الإجابة. تقنعه بأن المسألة تتعلق بتغيير الثقافة وتعديل الغاية من وراء التطوير، فهي تعمل على إلغاء الحفظ وتدشين الفهم والتراكم المعرفي، يفاجئك بأنه لا يبتغي لا فهم ولا معرفة، هو يبتغي شهادة للصغير، وبعدها ربنا يسهل.
وتساهيل السماء لمن يعلم لا تتواءم أو تتقابل أو تتطابق وتحايلات الأرض. وقد وصل الأمر بنا إلى درجة توجيه أسئلة يفترض أنها تبحث عن موقف الدين الصحيح تحمل في طياتها طلبًا بالتحايل وأملاً في الالتفاف. يطرح السائل سؤالاً عن ميراث الأخت الذي إن أخذته راح للزوج الغريب أو سبل الصرف التي يعتبرها السائل غير مبررة. ويمعن في الجدال مع رجل الدين بحثًا عن مخرج «ديني» يتيح له أكل حق أخته، وكله بما لا يخالف شرع الله.

التعليقات معطلة