رشا عمران
هناك دائما زوايا هامشية في حياتنا الشخصية، وفي تفكيرنا، بدءا من طفولتنا الأولى، مرورا بمراهقتنا وشبابنا. هناك تفاصيل جانبية، نادرا ما ننتبه إليها، ولكن أثرها الكبير والواضح علينا، وعلى تنشئتنا وعلى سلوكنا، يعلن عن نفسه دائما، منبها إيانا إليها، وكأن هذا الأثر جرسٌ يرنُّ في دواخلنا، لتنبيهنا إلى هذه التفاصيل الجانبية والهوامش، كي لا ننساها في زحمة الحياة، وفي أثناء الاستغراق في المتون المتعدّدة. هناك أيضا أفكار هامشية داخل عقولنا، قد لا تعني شيئا، ولا فائدة لها، لو نظرنا إليها وحدها، منفصلةً عن باقي ما يختزنه العقل، لكن نتاجنا العقلي لا يمكنه أن يكتمل بعيدا عنها أو بدونها.
لا يمكن لأي فعل عقلي، إبداعي، خصوصا، أن يكون نتيجة للأفكار العقلية الكبيرة فقط. ينشأ الإبداع من تسرّب الهامشي والثانوي في لاوعينا إلى الوعي المحمّل بالأفكار الكبيرة والواضحة، حيث يشتغل الوعي على دمج الاثنين معا. عملية الدمج هذه تخلق نتاجا جديدا، هو ما نطلق عليه اسم الإبداع، أفكار العقل الواعي وحدها لا يمكنها أن تخلق فعلا إبداعيا، فالإبداع يحتاج إلى الخيال، نبع الخيال هو اللاوعي، ومسربُه يمر عبر الوعي، ويصبُّ في أداة العملية الإبداعية، سواء أكانت الأداة هي اللغة أو الصوت أو الموسيقى أو الجسد أو العدسة والعين أو اللون والأصابع التي تشكّل ما تشكّل، أو حتى المعادلات الرياضية المنتجة للاختراعات العلمية؛ دائما، في ذلك كله، هناك ما هو ثانوي هامشي، متلاحم مع المتن الأساسي، ينتج لنا الأفعال الإبداعية على اختلافها!
حين نتذكّر طفولتنا، ما تستدعيه الذاكرة، مباشرة، هو الخطوط العريضة من تلك الطفولة، رفاق اللعب والمدرسة الابتدائية، أسماء بعض المعلمات والمعلمين، البيت الذي سكنّا فيه، مدارسنا التي تعلمنا فيها، حاراتنا، أشكال أهلنا وملابسهم ذلك الوقت، الهوايات التي كنا نمارسها، ثم ما قرأناه من كتب، وما سمعناه من موسيقى وأغان، أول دقّة قلبٍ شعرنا بها، أول لمسة يد، أول قبلة، إلى ما هنالك من عناوين في الذاكرة الشخصية لكل منا، لكنها تكاد تكون مشتركةً بين جميع البشر في عمومياتها، بيد أن ثمّة تفاصيل أخرى تحتاج جهدا قليلا لاستحضارها من خفايا الذاكرة ومخابئها، تلك التفاصيل هي ما يمكن تسميتها التفاصيل الثانوية أو الهامشية، لكنها هي الأساس الذي نشأت عليه شخصياتنا الحالية.
الذاكرة تشغل أحيانا تقنية التصفية، فتحيد جانبا كل ما يمكنه أن يكون مصدرا للقلق أو التوتر السطحي. لا تميته، بل ترسله إلى طبقات اللاوعي، ليظهر عندما نستدعيه، أو تستدعيه حوادث طارئة ومفاجئة، فمثلا، تتجاهل الذاكرة الاعتداءات التي تعرّض لها كثيرون منا من الأهل أو الأقارب أو المدرسين، اعتداءات نفسية وجسدية، تتجاهل التعنيف والتنمّر، تتجاهل المشكلات الأسرية الكبيرة بين ربّي الأسرة، تتجاهل الفروق الطبقية والمذهبية والاجتماعية مع المحيط، تتجاهل معظم ما يتعلق بالآخرين المحيطين بنا، والذين أثّر مسار حياتهم على حياتنا بقدر تأثير مسار حياتنا عليهم.